السبت , 19-10-2019

شهداؤنا الأبطال: أسطورة التضحية والجهاد أويس (بنيامين)

شهداؤنا الأبطال: أسطورة التضحية والجهاد أويس (بنيامين)

صارم محمود

 

اتصلت بالشيخ العمري المسؤول العسكري لمديرية قلعه كاه- الذي قضى شهيدنا الضرغام أويس (بنيامين) معه أكثر من ثلاث سنوات من عمره في ميادين الجهاد – قبل أن أكتب هذه السطور، ليقدم لقراءنا موجزًا من سيرة شهيدنا الجهادية العاطرة، وذكرياته الميدانية الماتعة، فلبّى الشيخ العمري بطلبي مع زحمة الأعمال الجهادية التي كانت متراكمة عليه – فجزاه الله عن الأمة المسلمة وشهدائها خير ما يجازي به عباده الصالحين- فإليكم خُلّص ما قاله الشيخ عمري حفظه الله:

أخونا الشهيد لم يكن حِب المجاهدين فحسب؛ ليفاجأهم بشهادته ويقلق مضجعهم ولا يحرك في بقية الباقية من أهل قلعه‌کاه ساكنا؛ بل كان حِب الجميع وحبيبهم، وأبكت شهادته جميع من عايشه مجاهدًا، أو صاحبه تلميذًا، أو استضافه مكرما، أو سمع منه مقيما أو مسافرا. وترك جمیعنا ذكورا وإناثا، طفلا وشيخا على أحر من الجمر.

ما رأيت مثله في ميادين الجهاد قط، تسرب حبه في قلوب المجاهدين إلى مدى يُحسب بأن المحبة قد انطوت عليه.

في نفس المقبرة التي رقد فيها الشهيد أويس رحمه الله قبر أخ من إخوتنا المجاهدين وهو يحكي حينما أذهب إلى المقبرة من شدة محبتي بالشيخ أويس، وإعجابي به، وتأثري منه، أنسى أخي، ويجتذبني أخي الشهيد، المهاجر، الغريب بما تحتوي الكلمة من معنى كما يجتذب المغناطيس القطع الحديدية.

كان الشهيد رجلا، مخلصا، متواضعا، شجاعا، مقدامًا، دائم الصمت، ومتواصل الأحزان، وكان يحمل معه – حيثما حلّ أو ارتحل – كتاب وردٍ ودعاء من العلامة محمد عمر السربازي رحمه الله وكنا نجده دائما يتحاشى عن المجلس ويستقر في زاوية ويشتغل بقراءته، فسألته يوما لمَ تصمت دائما وتتجنب من الإخوة فأجابني قائلا: لا أحب أن أوذي بكلمة تصدر عني إخوتي المجاهدين، وأكدر بعملٍ صفوهم.

كان يصوم دائما في طقس محافظة فراه الحار ولايفرق في ذلك أنه في الحرب أم في الحصار أو في المقر، أتذكر أننا وقعنا في محاصرة العدوّ يوما فهجمت علينا العدو بدباباته، وحلقت علينا طائراته، فأحرقوا البيوت، وخربوا الأبنية فوجدت الشهيد في ألسنة اللهب، وأعمدة الدخان سامر الشفه، وجاف الحلق، يذكر الله ويدعوه، فتنبهت أنه صائم فلم أتمالك مدامعي تذرافا وسحا.

لم يكن شهيدنا رجل حربٍ يقارع العدو ويساعدنا في طرد الخصم الوغيل فحسب بل كان مدرسة فكرية وعقدية وعبادية بمعنى الكلمة فكما كان يعلمنا الحيَل الحربية ويدرب إخوتنا الجدد تدريبات عسكرية هكذا كان يعلمنا عقيدتنا وديننا ويحارب البدع والخرافات.

كان رجلا عابدا تذوق طعم العبادة حقا فالإخوة حينما كانوا يرونه يخشى في صلاته، ويبكي في قراءته، ويخضع في ركوعه وسجوده كانوا ينجذبون إلى العبادة دون اختيار.

فكم منا من كان كسولا في الأعمال وأصبح بعد مجيء الشهيد جادا في العبادة لاتفوته صلاة تهجد، وكم منا من كان لا يعلم من الصلاة ولا خشوعها وطعمها شيئا وأصبح بعده عابدا يعبدالله كأنه يراه.

من أبرز الصفات التي كان الشهيد يتمتع منها وأصبح بها مضرب المثل ومشارا إليه بالبنان هي المحبة والألفة فكان يألف بنا إلى مدى كنا نحسب أنه ينبوع المحبة؛ حتى كنا نأتي بالمصابين عاطفيا وروحيا وبالذين كانوا يعانون من الذهول والذبول إليه- فكان يسحرهم بكلماته العاطفية وينفث فيهم الأمل ويخفف عنهم آلامهم فكانوا يتسلون بكلماته ويرجعون كأنه قد قُدّ عن كواهلهم الجبل.

قد تأثر منه جميع أهل المنطقة ذكورا وإناثا، اطفالا وشيوخا، وتأثروا من خلقه، وعمله، وتعايشه، وعبادته، وتقواه، كان يزور الجميع ويختلط معهم إلى بيوتهم، حتى ارتبط مع الذين لم أكن أعرفهم مع أنني كنت أميرهم ومسؤول منطقتهم.

لقد أحدث في هذه المدة ثورة كبيرة في المنطقة وكانت هذه الثورة تشعر وتلمس بمعنى الكلمة، فحينما كان الشهيد متواجدا بيننا كنت أشعر أن جبلا كبيرا خلفنا، وحينما كنت أذهب إلى مكان لم أكن أضطرب أو أقلق ما دام الشهيد كان يخلفني بين الإخوة.

وكان الشهيد حقا رجلا عسكريا ذا باع طويل فكما تعلمنا منه الخشية والعبادة هكذا تعلمنا منه كثيرا من الحيَل الحربية والفنون العسكرية فكل مجاهد يأتي إلى هاتين المديريتين كنا نرسله للتدريب عند الشهيد أويس رحمه الله. وكان في الحروب أثبت من الجميع جأشا، كما كان أشد من الإخوة بأسا، فكان يخاطر بنفسه حفاظا للإخوة ويقتحم الأخطار تحفظ لوقوع التشرد في الصف أو توغل الهزيمة في المجاهدين فلم يكن يعرف الخوف، أو الاضطراب في حينٍ تبلغ القلوب الحناجر، ويفتقد الجميع أيديهم اضطرابا من شدة الحرب.

 

رحم الله شهيدنا قد أحدث بشهادته ثلمة واسعة بيننا عصية على الملأ.

هذه كانت كلمات البطل المسؤؤول العسكري عن مديرية قلعه‌کاه الشيخ عمري حفظه الله.

 

نظرة عابرة على حياة الشهيد (بنيامين):

أبصر شهيدنا أويس “بنيامين” النّور سنة (۱۳۷۲هـ.ش) بدار الهجرة (ايران) فى أسرة تتّسم بالإيمان والتديّن، ومن طبقة تتمتّع برفاهية العيش ورغده. تلقّی دروسه الابتدائية فى واحد من أبرز المدارس حيويّة ونشاطا، وأحظها فى إعدادها لآساد الوغى ورجاله.

فبما أنه ينتمي إلى أسرة مرفهة إلاّ أنّ نفسه قد انطبعت بسمة التواضع ولين الجانب، فکان ذاخلق جمیل فی زمن طلبه للعلم وکان ذکیّا طموحاً ذا همة عالية، وكان النجاح والتفوق حليفه طيلة سنواته الدراسية. أما عن دخوله خنادق القتال وانخراطه فى هذا السلك المبارك؛فلنسمع سرد التفاصيل عن رفيق دربه الذى كان سبباً لدخوله فى هذا الغمار.

يقول المولوي ذاكر: عندما اتفق قدومى إلى”برافشة” دعوت الله عن قلبى ليتقبّل بنيامين في سبيل الجهاد لِما لمست فيه من مؤهلات ومواهب تجعله من الرجال الأفذاذ، وأيضا كان هو زميلى فى سنوات الدراسة، فبعد قضاء فترة هناك رجعت إلى بيتي فقابلني الشهيد وطلب مني أن أُعينه فى وصوله إلى أرض الجهاد “برافشة”، فغمرنى -حينها- سرور يعصى على البيان ،فرددت عليه :إننى دعوت الله كثيرا أن يتقبلك فى سبيله غير مرة وهاهي تباشير الإجابة قد لاحت واستجيب دعائي، ثم أعطيته الدلالات الكافية إلى ان تأهّب للمسير وشدّ الرحال إلى أرض الجهاد.

يضيف المولوي ذاكر: أذكر من الشهيد أنه قضى أربعة أشهر في ميدان الجهاد بعد أن انتدب نفسه للجهاد فى سبيل الله، وبعد إيابه عن هذه الرحلة المباركة كنا ندرك بحق أنّه انقلب من طوره السابق، وازدادت أشجانه وأحزانه المقدّسة بحق مايجري على المسلمين فى العالم.

وكان يحدث لبعض المجاهدين أن تتعسّر ظروفهم الاقتصادية فيتبادر بتزويدهم ماليّاً وينفق من ماله بصدر رحِب ويكرمهم بما تملك يداه عن حبّ.

كما أسلفنا أنه ترعرع فى أسرة رفاهية وبين أعطاف النعيم لكنه كان يعافي أن يتقلّب في رغد العيش ويتنعّم. ويفضّل ملابس البسطاء وزي الفقراء، يلبس من الملابس مالا يقدر بقيمة، بل ما استصحبه من “برافشة” ويقتنع به.

ويردّ علينا حينما نقترح له بشراء ثوب جديد: إنه لايسرّني لوأنّ لي الدنيا بمقابلته، كيف أتبجّح بزيّ أوألبس فاخراً والمسلمون في ذلّ ومن عيشهم؟!.

فكان رحمه الله يساعد إخوانه المجاهدين مَن عاقَته مشكلة المال عن وصوله الى أرض المعركة، وبلغ فى سخاء اليد والجود مبلغا كبيرا.

وما إن مضى مدة حتى كسب ثقة المجاهدين وودّهم، ووفّق لخدمات باهظة، وعلت به همتُّه إلى أن كان يطلب الأمراء أن يعيّنوه في الخط المقدّم وعلى خط النار الأول ليقارع خونة الملّة والوطن ويضيقهم لظى بأسه وجها لوجه، لكنّهم يرفضون حتى يتمكّنوا من استخدامه لصالح المجاهدين أكثر.

وأذكر أنه حضر بمرافقة الشهيد “محمد ايوب” -صديقه الحميم- إلى بيتي وأظهروا عن هيامهم لمقابلة المحتلين ولم يتنازلوا عن عزمهم وإصرارهم حتى أُخذ القرار -أخيراً- بإعزامهم إلى منطقة ‘خاشرود’ حيث شغلا قرابة سنة بالخدمة هناك وفي فراه، وبعد قضاء هذه الفترة رجع الصديقان الى حضن الأسرة، وخطب شهيدنا فى هذه المدة، لكن كيف يهدأ ويطيب له القعود ومشاهدُ التي تجري على أمّته المكلومة تمرّ بين عينيه وكيف لاينغص صفاءه، وكيف يهنأ وهو من ينتظر ليقضى نحبه فى سبيل الله وكيف يبدّل ما عهد به ربّه؟.

وللمرّة الأخيرة ودّع الأهل والأمّ الحنون وطوى الأرض إلى مهوى فؤاده الذي لايجد قرار قلبه إلاّ بها، حيث القتال والجهاد وبذل الأرواح للّه، كأنّه يرى البشائر تنزل عليه من الإله ويهّب برَوح الجنة وريحانها.

يتابع صديقه المولوي ذاكر: قلت عند قدومه: قد تأخرت هذه المرة، ليتك تقيم عندنا مدّة ثم تذهب إلى خط النار، فردّ قائلاً: قد سجّلت اسمى للعملية الاستشهادية فإن أجيب رغبتكم

علّني (لاقدّر الله) أن اُحرم هذه الفرصة ولايتيح لي مرة أخرى، ويبث شكواه إليّ بأنك لا تدعوا لى أن يرزقني الله الشهادة! .

ومن أروع ما اتفق لي معه أنني اتصلت به وسألته عن مكانه، فردّ عليّ عبر الدردشة بأنّنا ألقينا العدوّ فى حصارنا وأننى حالياً على الطابق الثالث فوق إحدى مباني العدوّ أبحث عن قنّاصهم وأرسل لي مقطعا من موقعه فدعوت له بأن يرجع سالماً غانماً وكان كذلك (والحمد لله).

وفى إحدى المواقف ساهم في فتح إحدى ثكنات العدوّ مع إخوته الانغماسيين ورجع إلى مقرّه مع العافية لكن طائرة بدون طيار تابعهتم حتى جعلت موقعهم تحت وقع القنابل ليتخضب أرض فراه المباركة بدم شهيدنا الطاهر، وتطير روحه بصحبة رفاقه إلى علياء السماء ليستريح إلى الأبد، ودفن جثمانه بعيدا عن أقاربه وذويه، فكان فى سيرته درسًا لسكان الفنادق والأبراج الذين يلهجون بألسنتهم بالطعن في هولاء الأخيار، وأيضا فيها درس لورثة الأنبياء الذين لم تغبر أقدامهم في سبيل الجهاد ولم يتجشموا وعثاءها بعد، فهؤلاء هم أولياء الله حقاًّ وأنصاره بلا مراء.

مقالات ذات صله