الثلاثاء , 24-11-2020

واجبنا تجاه أبناء الشهداء

واجبنا تجاه أبناء الشهداء

 

أبو عبدالله

 

إنّ من واجب الأمة فردًا فردًا أن يقوموا بكفالة وإعانة أرامل وأيتام الشهداء الذين دافعوا عن ديننا وطننا، وبذلوا الغالي والنفيس، وطردوا المحتل المتغطرس من أرضنا، وقدوتنا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأخيار.

فعن عبدالله بن جعفرٍ في قصة استشهاد أبيه في غزوة مُؤتة، أن رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أتاهم فقال: (لا تَبْكُوا على أَخي بعدَ اليومِ، ادْعُوا إليَّ ابْنَي أخي، قالَ: فَجيءَ بنَا كأَنَّا أَفْرُخٌ، فقالَ: ادْعُوا إليَّ الحلاَّقَ، فجيءَ بالحلاَّقِ فحَلَقَ رُؤوسَنَا، ثمَّ قَالَ: أمَّا محمَّدٌ فشَبيهُ عمِّنَا أَبي طالبٍ، وأمَّا عبدُ اللهِ فشَبيهُ خَلْقِي وخُلُقِي، ثمَّ أخَذَ بيَدِي فأَشَالَهَا –أي رَفَعَها-، فقالَ: اللهُمَّ اخْلُفْ جَعْفَراً في أَهْلِهِ، وبَارِكْ لعبدِ اللهِ في صَفْقَةِ يَمِينِهِ، قالَهَا ثلاثَ مِرَارٍ، قالَ: فجَاءَتِ أمُّنَا فذَكَرَتْ لَهُ يُتْمَنَا، وجَعَلَتْ تُفْرِحُ لَهُ – أي لا عشيرةَ لأبنائي بعد موتِ أبيهم-، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: الْعَيْلَةَ تَخَافِينَ علَيْهِمْ – أي الفقر والحاجة – وأَنَا وَلِيُّهُمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ) رواه أحمد وصحَّحه الذهبي.

ومن بعده صلى الله عليه وسلم ضرب أصحابه أروع الأمثلة في هذا المجال؛ فهذا عمر خليفة المسلمين، يقول أحنف بن قيس: أخرجنا عمر في جيش العراق، فحاربنا وظفرنا، وأخذنا من الغنائم فلبسنا من رقيق الثياب وقدمنا على عمر، فلمّا رآنا أعرض عنا بوجهه وجعل لا يكلمنا ولا يرد علينا. وكنّا من أصدقائه وأصحابه، فاشتدّ ذلك علينا، فشكونا إلى ولده عبدالله، فقال: أنا أخبركم بالسبب؛ إنه رأى عليكم هذه الثياب الرقيقة التي لم يلبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الخليفة من بعده فكرهها.

قال الأحنف: فأتينا منازلنا، فنزعنا ما كان علينا وأتيناه بثيابنا العربية التي كان يألفها منّا، فقام إلينا فسلّم علينا رجلا رجلا، واعتنق رجلًا رجلًا، فقدّمنا إليه الغنائم فقسّمها بيننا بالسوية، فعرض فيها شيء من أنواع الخبيص، فذاق منه بطرف خنصره فوجد شيئًا طيب الطعم والرائحة، شيئًا نفيسًا لم تكن تعرفه العرب. وتطلعت أنظار القوم، وتحلبت الأفواه، فقال: “إني سأخصّ بهذا الطعام أحقّ النّاس به وأولاهم بأن يذوقه”. فظنّ كل واحد من كبار القوم أنّه سيخصه به لمنزلته ومكانته، فيكون ذلك تكريمًا له، وإذا هو يحمله إلى أولاد مَن قُتل من المسلمين في سبيل الله، إلى أبناء الشهداء، فيوزعه عليهم. ولم يأخذ لنفسه ولا لأهله منه شيئًا.

وكذلك كان يكرّم أولاد الشهداء، ويخصّهم بكل طيب من الطعام والثياب، ويرعاهم أكثر من رعاية آبائهم لهم لو كانوا قائمين عليهم.

وكان عمر رضي الله عنه يدور بنفسه على بيوتهم فيسأل أمّهاتهم (الذين غاب أزواجهن أو ماتوا في الجهاد)، يقف على أبوابهنّ يسألهن: “ألكنّ حاجة؟ أيّتكنّ تريد أن تشتري شيئًا؟ فإنّي أكره أن تخدَعْن في البيع والشراء”. فتخبره كل واحدة بما تريد ويرسلن معه جواريهن وغلمانهن، فيدخل السوق ووراءه الجواري والغلمان، فيشتري لكل واحدة ما تريد ويحمّله لجاريتها أو لغلامها، وإذا كان الشيء ثقيلًا حمله هو (وهو أمير المؤمنين) على رقبته وأرجع لهنّ بقية الدراهم. ومن ليس عندها دراهم اشترى لها ودفع هو الثمن وحمل إليها ما تريد.

فكان المجاهد ينطلق إلى ساحات الجهاد مطمئنًا على أهله في غيابه، مطمئنًا على أولاده بعد موته، فيجمع إلى ثواب الله في الآخرة الأمان على أهله في الدنيا.

أمّا ثواب الشهيد في الآخرة فقد وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم وبقية الخمسة ( إلا أبا داود) عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما مِن أحَدٍ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنْيا، وأنَّ له ما علَى الأرْضِ مِن شيءٍ، غَيْرُ الشَّهِيدِ، فإنَّه يَتَمَنَّى أنْ يَرْجِعَ، فيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ، لِما يَرَى مِنَ الكَرامَةِ).

يخبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ الذي يدخل الجنة لا يرضى أن يرجع إلى الدنيا ولو أعطيها كلها.

وما الدنيا بالنسبة إلى الجنة؟ إنّها كبطن الأمّ الذي كان فيه الجنين قبل ولادته بالنسبة إلى هذه الدنيا، يخرج أحدنا من بطن أمه باكيا متألمًا، فإذا رأى سعة هذه الدنيا وشمسها وقمرها وما فيها لم يرضَ أن يعود إلى البطن ولو أعطي كل ما فيه. وكذلك مَن يدخل الجنة، إلا الشهيد؛ فإنه إذا رأى المكافأة العظيمة التي كافأ الله بها موته في سبيل الله، تمنى أن يعود فيُقتل عشر مرات.

فإذا اجتمع إلى هذا الثواب العظيم في الآخرة أن يأمن على أهله وولده من بعده فقد جمع الدنيا والدين. على أنّ الأمان في الحقيقة أمان الله؛ هو الرزاق المتكفل بالأهل والولد، ولكنّ الله أمر باتخاذ الأسباب.

مقالات ذات صله