الثلاثاء , 24-11-2020

لمحة من حياة العالِم الربّاني؛ الشهيد عبد الرحمن تقبله الله

لمحة من حياة العالِم الربّاني؛ الشهيد عبد الرحمن تقبله الله

أبو يحيى البلوشي

إن العالم لا يمكن أن يصل إلى السعادة إلا على قنطرة من جهاد ومتاعبَ يقدمها الشباب المسلم. إن الأرض لفي حاجة إلى سماد، وسماد أرض البشرية التي تصلح به، وتنبت زرع الإسلام الكريم، هي الشهوات والمطامع الفردية التي يضحي بها الشباب في سبيل علو الإسلام، وبسط الأمن والسلام على العالم، وانتقال الناس من الطريق المؤدية إلى جهنم إلى الطريق المؤدية إلى الجنة. إنه لثمن قليل جدا لسلعة غالية جدا. انتهى كلام الإمام السيد أبي الحسن علي الندوي رحمه الله.

إن طريق الفتوحات والانتصارات، وإن درب عزة الشعوب المسلمة والحصول على الحظ الوافر من القيادة والزعامة، وإن منهج تحكيم الشريعة الإسلامية وسيادة العدل والسلام، ورفع الظلم، ودفع العدو الصائل المحتل، طريق شائك مملوء بالمخاطر، مليء بالمصاعب والجماجم والأشلاء، يحتاج إلى بذل الدماء الغالية والأنفس المحترمة.

في هذا الدرب المتين، والمنهج القويم لابد من تقديم الأموال والأنفس والثمرات ونصرة الحق بالأيدي والأرجل وبالسيوف والأقلام وبالدروع والحراب، ولا يمكن هذا إلا بالتجرّد من الشهوات، من شهوة البطن وشهوة الفرج، من حب الأهل وحب المال، في هذا الطريق لابد من غسل الأيدي من المطامع، والخوض في الحروب، ودخول الشباب في ميدان المعارك ليتفانى في سبيل الله عز وجل؛ حتى يكون النصر والتمكين لأهل العلم والعدل، ولأهل الفضل والكرم، ويحكم شرع الله وينتصر الحق على من ينكره، فبغير تقديم الشباب أرواحهم، وبغير قنطرة الجماجم التي يصنعها شباب هذه الأمة، وبغير سيول الدماء لا يمكن لزهرة الحق أن تتفتح، ولا لعلمه ورايته أن ترتفع.

أكتب هذا والكلمات تنثال علي، وأنا أغتر وأفتخر بأن وفقني الله أن أعيش مع الشهيد بعد أن منعني الدهر عن مصاحبة هذا الشهيد البطل، وأحاوره في خاطري وقلبي ساعات طويلة وأتكلم بعد أن فرق الدهر بيني وبين عبدالرحمن الشهيد.

أريد أن أكتب عن شابّ تولّى عن الشهوات، وترك المطامع، وأعرض عن زهرة الحياة الدنيا وزخرفها بعد أن كان يستطيع أن يعيش في ظل زينة الدنيا، وأن يتطاول مع أترابه في جمع المال، ولبس أفضل الملابس والأحذية، ولكنه ترك الدنيا ولجأ إلى طلب العلم أولا وما أغفله العلم والقلم عن تحديات الأمة الإسلامية وأزمات شعبه؛ الشعب الأفغاني الأبي وعما يجري عليهم من الأحوال والأهوال؛ إنه الشهيد المقدام؛ عبدالرحمن الضرغام.

لقد أبصر عبدالرحمن (مقداد) النور في محافظة “بغلان” بأفغانستان الحبيبة، ونشأ كأي طفل من أطفال أفغانستان حيث يواجه أهله التحديات والنكبات، ويشعر بالملل والكآبة في ظل اللحتلال والنظام العميل، وغلب عليه اليأس مما يجري في بلاده ووطنه من العمالة والخيانة وبيع الدنيا بالدين، فتوجه أهله إلى الهجرة بعد أن أنهكت الأزمات الاقتصادية والسياسية بلادهم، وآذاهم قلة النصير وشدة المعيشة، ورحلوا إلى ديار الهجرة؛ إيران.

هاجر مقداد، ومع صغر سنه كان قلبه مطمئنا بالإيمان بأن الله سينصر أهل أفغانستان على المحتل الغاشم فبدأ يدرس في غرفة بجنب مسجد كعادة الناس؛ المسماة بالحجرة، وإلى جانب دراسته كان يعمل عملا شاقا ليأكل من كد يمينه وعرق جبينه. كانت نشأته بالصعوبات والمكاره فقد اجتباه ربه لعمل غير ضئيل، وأمر عظيم عجز عنه كبار العلماء والفضلاء والأبطال؛ ألا وهو‌ الجهاد في سبيل الله عزوجل، ورباه ربه المدبر ليخطو‌ خطوات عبقرية في حياته البطولية.

عاش الشهيد البطل في هذه الفترة من حياته عيشا صعبا زهيدا، واجه مشاكل في طريقه العلمي والعملي، لأنه تقبله الله لم يواجه عملا شاقا صعبا إلا وخاض غماره طلبا لحلال يزود به نفسه وأهله ويطفئ به غلته ويغنيه عن جوع.

مضت عليه سنين عدة في دار الهجرة بعد أن فرق الاحتلال بينه وبين وطنه، وبعد أعوام ها هو يرجع إلى وطنه العزيز بعد أن صار جسمه صخرا صلدا ونفسه ألين من الزهرة، فانخرط في سلك الدراسة بعد أن درس سنوات عديدة في دار الهجرة، حيث رأى نفسه متأخرا في المجالات العلمية والإصلاحية وفي الجهاد، فبدأ يواظب ويبدأ بالخدمات الجليلة والاهتمام الكامل بالدروس، فبدأ صفحة جديدة من حياته بعد أن مضت سنوات من عمره في العمل الشاق، وبدأ يتطلع إلى أن يعيد العز والمجد لنفسه ولأهله، ويريد أن يكون من السابقين في الخيرات.

فشمر الشهيد الضرغام عن ساق الجد وساعد الجهد وأوثق صلته بمرشده، وبدأ يواظب على الدروس ومذاكرتها وعلى المطالعة باهتمام تام، فكان يواصل المذاكرة ومراجعة الدروس حتى منتصف الليل، وما أغفله ذلك عن عبادة الليالي، لأنه ذكر الله كان يطير النوم من أجفانه فيعبد الله في الليالي ويذكره.

بعد مضي ربيع واحد، تغيرت أحواله الفردية والاجتماعية تغير جذريا؛ فهاهو اليوم يخدم الطلاب ويؤثرهم على نفسه في الطعام والشراب، في المكان والمقام، ويخدم الصائمين من الطلاب يوم الاثنين ويهيئ لهم مايحتاجون ويقوم بتنظيف المائدة وغسل الأواني بنفسه وحيدا.

إنه اليوم يتواضع رغم عظم جسمه وكبر سنه، يتواضع لكل صغير وكبير، ويعامل الجميع معاملة حسنة ويكرمهم ويحسن لهم ويحبهم بقلبه ويخدمهم. تراه نشيطا كل يوم، ومشغولا بعمل؛ إما ينظف الغرفة أو يدرس أو يشتغل بالعبادة.

نعم لقد تغير الشهيد كثيرا وهل تدرون كيف تغير؟

أتظنون أنه تغير بعد أن انخرط في سلك الدرس فقط؟ أم تظنون أن هذا الباع الطويل من الصلاح والتواضع والإيثار الذي اكتسبه حصل له بعد أن لبس لباس التصوف.

كلا وألف كلا! لا أريد أن أنكر الصلاح في التصوف ولكن أريد أن أعبر عن شيء آخر: إن العالِم إذا عمل بما علم، وإذا جمع بين السيف والقلم والترس والحبر، وبين العلم والجهاد، وبين التصوف والجهاد، فسيظهر عليه التواضع والصلاح، ويقوم بإنجازات فريدة.

يقول ابن تيمية الحراني رحمه الله: من كان مثلي كثير الذنوب فمعظم دوائه الجهاد في سبيل الله.

لقد عبر هذا العالم الجليل العبقري الذي هو فريد عصره عن أفضل دواء للذنوب، ألا وهو ذِروة سنام الإسلام وهو القلب النابض للرجل وللأمة الإسلامية.

فنبض قلب شهيدنا الهصور وصلح وتولى عن الدنيا ولجأ إلى الأعمال‌ بعد أن بدأ الجهاد، وصار جنديا من جنود الله وأسدا من أسوده في عرينهم.

لم يغفله العلم ولا العبادة الفردية عن الجهاد في سبيل الله وتتبع أخبار المسلمين وأحوالهم، ولم ينس ما يتجرعه شعبه من مرارة ظلم الاحتلال. وإن الشهيد البطل بعد أن نشأ في أغوار آلام الشعب الأفغاني المسلم لم ينس منذ هاجر ما ينغص عيش حياة الأحرار في أفغانستان، فكان يحضر كل عطلة سنوية في حزام خاشرود ليحصل على الحظ الوافر من الصلاح في هذا الميدان وليقف بجانب المجاهدين ويعيد مجد الأمة الإسلامية بذروة سنام الإسلام.

إن شجاعة الشهيد كانت فريدة بين أقرانه وأترابه، بل بين رفاق دربه بأكملهم، وكانت حماسته حيث تذهب به إلى عقر دار الحروب وإلى أعماق المعمعات، وعندما يهطل عليه الرصاص بغزارة كان ورب البيت يقف أمام سيول رصاصاتهم الجارفة كصخر صلد يقف أمام الفيضانات، ففي معركة عنيفة في كمين منطقة من مناطق فراه، عندما اشتعلت الحرب وأنشبت أظفارها وبدأ العدو الصائل يتقدم، أوقفت العدوَّ طلقاتُ رصاص الشهيد وأعجزتهم عن التقدم، ولولا تعطل سلاحه آنذاك لكان قتل منهم عددا كثيرا.

كان يعشق الحروب وقتال عدو الله، ففي نفس هذه المعركة سأله أحد الإخوة: كيف وجدت المعركة؟ فأجاب: شعرت بلذة عجيبة لولا تعطل السلاح.

هذا والله إن دل على شيء فإنما يدل على عقيدته الصحيحة ويقينه القوي بربه، بل وحبه للشهادة وملاقاة الله وحصول رضاه، لأنه كان يلقي بنفسه في مظان الموت ولا يبالي بل ويعشق ويتلذذ.

وإن هذه القصة غيض من فيض، تظهر لنا شجاعته وحميته الدينية كالشمس.

كما أشرت من قبل، في طريق الجهاد الشائك لابد من تضحيات فريدة حتى يتم النصر، أو تنال الشهادة، فمنها ترك الأهل ومنها ترك الشهوات. قضى الله للشهيد وقدّر أن يبقى آخر سنة من دراسته ومن عمره في ميدان الجهاد، ويدرس بجنبه في الثغور، ويتتلمذ على علماء الميدان، فبقي هناك مع أن أمنية كل طالب أن يدرس هذه السنة في مدرسة كبيرة ويتخرج هناك، ذهب أصدقاؤه ولكنه بقي، وقدر الله أن يصطفيه لنفسه ولجنات النعيم، فبدأ يدرس ويبث الخير والصلاح بين أهل الثغور، ويدرسهم القرآن، ويعلمهم العلوم والأحكام ويجاهد في سبيل الله جهادا يرتاع منه الأعداء، ويرتاح به الأصدقاء.

عندما نلفت النظر في إيثاره، نرى صفحة مشرقة مليئة بالقصص والخواطر. ومن قصص إيثاره في ميادين الجهاد أنه كان يأتي بالماء في غارات وكهوف في الجبال لئلا يتأذى المجاهدون بالذهاب والإياب إلى سفح التل، وكان يعطي لحافه لأصدقائه، وفي برد الليل كان يعبد الله ويجلس في الكهوف لحفظ نفسه من البرد.

في ليلة من الليالي رأى في المنام أنه يحلق حول العرش ويطير، ويعبر عن هذا بشهادته.

استشهد الشهيد البطل في العام الماضي 1441هـ في عملية كبيرة مع عدة مجاهدين، فضمخوا أرض فراه بدمائهم الطاهرة. ومن كرامات الشهيد رحمه الله أن جسمه بأكمله أصابته رصاصات الأعداء إلا وجهه الكريم حفظه الله. رحمه الله وتقبله.

مقالات ذات صله