الأربعاء , 25-11-2020

الجهاد الأفغاني المعاصر من وجهة نظر الشريعة!!

الجهاد الأفغاني المعاصر من وجهة نظر الشريعة!!

 

الكاتب: مفتي عبد الله رشاد
تعريب: أحمد القندوزي

إن القتال ضد الأمريكان المحتلين و تحرير البلاد الإسلامية منهم و إنجاء المسلمين المظلومين من شرورهم وفتنهم، و إنقاذ الأجيال القادمة من العبودية و الردة واجبٌ شرعيٌ على كل مسلم.

لقد تعرض شعبنا طيلة السنوات التسعة عشر لكافة أنواع القتل و السجن و التعذيب و التشريد من قبل الكفار المعتدين الظالمين، ولم يأمن الأفغان في أرواحهم وكرامتهم وممتلكاتهم في بلادهم، وعانوا كل أنواع الظلم والفظائع، وامتلأت بهم السجون من باغرام و بلشرخي إلى غونتانامو، وقُصِفت مساجدهم ومدارسهم وبيوتهم ومحافل أعراسهم وجنازاتهم بكل وحشية واستشهد أطفالنا و نسائنا في المداهمات الليلية المروعة، فقام الشعب الأفغاني المضطهد و الفقير بالجهاد لرفع كل هذا الظلم، رغم أنه كان من المفروض شرعاً أن يقف المسلمون كلهم إلى جانب شعبنا و يدعموا مقاومته المشروعة، لكن “بنصرة الله و ببركة تضحيات المجاهدين التي لا مثيل لها” انهزم فرعون العصر، وتراجع بعد أن كان ينادي “أنا ربكم الأعلى” فأصبح ينادي “آمنت بأنّه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل”

يقول العلامة الزحيلي رحمه الله: ويبقى الجهاد فرض عين إذا تعيّن بغلبة العدو على قطر من الأقطار، فيجب حينئذ على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إلى الجهاد خفافاً وثقالاً، شباناً وشيوخاً، كلّ على قدر طاقته، يخرج الابن بغير إذن أبيه، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج. فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بدحر العدو، كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا لتحقيق الهدف المرجو، فالمسلمون كلهم يد واحدة على من سواهم، حتى إذا قام هؤلاء بدفع العدو سقط الفرض عن الباقين.
ولو قارب العدو دار الإسلام، ولم يدخلوها، لزم المسلمين أيضا الخروج إليه، حتى تعلو كلمة الله، وتُصان البلاد، ويخزي العدو. التفسير المنير للزحيلي (10/ 225).

لقد استخدم الأمريكيون كل أنواع الدسائس و التكتيكات لهزيمة المجاهدين الأفغان وإسكات صوت الحرية طوال السنوات التسع عشرة الماضية، فضغطوا عليهم بكافة الأساليب السياسية والاقتصادية والدينية ، لكن الله تعالى “وفقاً لوعده و سنّته” نصر المسلمين المظلومين و هزم العدو.
ولقد كان الضغط الديني الجزء الأهم في السياسة الأمريكية لأن المقاومة الأفغانية امتازت بالصبغة دينية. و قد صرّح بذلك القائد الأمريكي السابق الجنزال نيكولسن في مؤتمر صحفي انعقد في قاعدة باغرام بتاريخ (2018/3/18) بأنه ستزداد خلال هذا العام الضغوطات المذهبية و الاجتماعية و الدبلوماسية على طالبان حتى يستعدوا للسلام.
و حسب هذه الخطة الأمريكية استفادوا من بعض العلماء و عقدوا بشكل مكرر مؤتمرات باسم علماء الدين في جدة و كابل و إندونيسيا وغيرها لسلب مشروعية مقاومة الأفغان من الناحية الدينية و أصدروا عن طريقهم فتاوى ضد الجهاد المستمر في أفغانستان.

وضع أفغانستان الحالي و مكانتها

بعد اتفاق إنهاء الاحتلال بين طالبان و أمريكا لا يجوز لطالبان شرعاً أن يهاجموا الأمريكيين بناءً على عهدهم في الاتفاق، لأن الله تعالى قد أمر عباده المؤمنين بالوفاء بالعهد فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1].

و ينصّ الاتفاق على أن المحتلين سيغادرون أفغانستان بالكامل و لن يتدخلوا في الشؤون الداخلية والخارجية لأفغانستان، لكن من ناحية أخرى، لا تزال لدى أمريكا و الناتو اتفاقيةٌ أمنيةٌ مع إدارة كابول، و تشنّ أمريكا عملياً غارات جوية على المجاهدين إلى جانب إدارة كابل. و تدافع عن عملائها بكل قوة في هلمند و تخار و قندوز و باقي الولايات. وقد أعلن الناتو قبل أيام بأنّهم سيواصلون تقديم الدعم للحكومة الأفغانية حتى عام 2024، وأعلنت أيضاً بريطانيا أنّها ستقدم 98 مليون دولار للحكومة الأفغانية لمكافحة الإرهاب وما يقصدون بمصطلح الإرهاب هو الجماعات الجهادية، و من جهة أخرى قال أشرف غني في البرلمان: “أن الولايات المتحدة لا تزال تدعمنا و تساندنا، ولديها اتفاقية معنا، ودعمها لنا عسكرياً في هلمند وغيرها من المناطق خير دليلٍ على ذلك”. وصرح الأمريكيون عدة مرات: “أننا حققنا أهدافنا في أفغانستان، و قد أصبحت الحكومة الأفغانية قادرة على الحفاظ عليها، لذلك لسنا بحاجة لنبقى هنا أكثر”.
كل هذا يعني أن الأمريكيين يستثمرون في إدارة كابل لتتابع أهدافهم و تحارب المجاهدين والمسلمين، فإذا كان الأمريكان قد انهزموا عسكرياً، فإنهم يحاولون الآن جبران هزيمتهم من خلال إدارة كابل، و استخدامها ضد أولئك الذين قاتلوا الغزاة المحتلين تسعة عشر عامًا. و نظراً إلى هذه الحقائق على الأرض، يمكننا القول بوضوح أن إدارة كابول لم تتوقف بعد عن التعاون مع المحتلين والقتال ضد المسلمين، و أنها لا تزال تُطبّق أجندات المحتلين و تُشكّل عقبة رئيسية أمام النظام الإسلامي، فنستطيع القول بأنّ الاحتلال في أفغانستان عملياً لم ينته بعد، و كل من عاون وساند الكفار المحتلين، وامتثل لأوامرهم و نفّذ أحكامهم، ووقف سدّاً منيعاً أمام النظام الإسلامي، فقد دخل في حكم مناصرة الكفار على المسلمين، فحكم مساعدة الكافر الحربي واضح في النص الصريح:

قال الله تعالى: (یاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) [آل عمران: 118]

و يقول الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:
أما الكفار الحربيون فلا تجوز مساعدتهم بشيء، بل مساعدتهم على المسلمين من نواقض الإسلام لقول الله عز وجل: ومن يتولهم منكم فإنه منهم.

وإذا نظرنا إلى إدارة كابول من جهة أخرى، فإن فسادها الإداري والاقتصادي والأخلاقي قد بلغ منتهاه، و لا تزال تقتل الأفغان وتداهم عليهم مداهمات ليلية و تقصف المساجد والمراكز الدينية. ولقد قصفت مؤخرًا مسجدًا في ولاية تخار كان الأطفال فيه يتعلمون القرآن الکريم من إمام المسجد، مما أسفر عن استشهاد أكثر من عشرة أطفال وإصابة 18 آخرين بما فيهم معلّمهم. و لقد قصفت البارحة منزلاً في نفس الولاية، مما أدى إلى استشهاد ستة من المواطنين العزل. ونحن نشاهد بأم أعيننا أوضاع أفغانستان وحقائقها على أرض الواقع.
إنّ إدارة كابول بقيت في خدمة الكفار لتسعة عشر عاما ولا تزال تخدمهم، و نالت المركز الأول عالمياً في الفساد فهل يجب على الأفغان شرعاً أن يطيعوا مثل هذه الإدارة الظالمة العميلة!؟ أبداً لا..
ولقد ارتكبت إدارة كابول أبشع الجرائم ودافعت عن الكفار ضد دولة شرعية تحت اسم الإمارة الإسلامية وما زالت تخلق العقبات في طريق النظام الإسلامي، ولا يمكنها أبداً أن تكون حكومةً شرعية أو نظاماً شرعياً.

يتبع…..

مقالات ذات صله