الأحد , 17-01-2021

إنّا إلى يوم الشهادة لعشاق  (1)

إنّا إلى يوم الشهادة لعشاق  (1)

 

صارم محمود

انقضت صفوف صلاة التراويح، وتفرّق الإخوة آخذين قسطا من الراحة؛ ليحلّقوا بعد سويعات بحضرة الأستاذ كسابق عادتهم، فاجتمع الجمعُ بعد قليلٍ من الرتع والتمشي في ساحة الغرفة الممتدة الخصبة، وبدأ الأستاذ الليلة بسؤال ليعلم مدى شوقهم إلى الشهادة، وکیف یحب أن یلاقي المنية هؤلاء المجاهدون المهاجرون الذين تركوا دارهم وديارهم ولذاتهم ومستلذاتهم لله ولأجل الله. والسؤال كان: كيف تحبّ أن تلاقي الموت في سبيل الله؟
فكانت جلسة تلك الليلة جلسة مختلفة عن كثير من الجلسات، وكان لها مذاقها الخاص؛ لأن الحديث كان يدور حول الشهادة؛ وما أدراك ما الشهادة! محبوبة كل مجاهد ومفقودته، وما ألذ الكلام عن المحبوبة المنشودة؛ وعن المعشوقة المفقودة فالحديث عن الشهادة هو أحلى الأحاديث في هذه الميادين، وسوقها أعظم الأسواق، وبضاعتها هي الأغلى والأعلى.

فما إن يبدأ الحديث عن الشهادة، أو عن شهيد أو عن عملية دامية، إلا وترى المجاهد يتلهف شوقا، ويتعطش حنيناً، كأنما يطير في سماء أخرى، فيتمنى بكل صدق وإخلاص التمزقَ في سبيل الله بعين دامعة، ونبرة تخنقها الغصة، وقلب تضغطه الحسرة… فكم من إخوة أميين جلسنا للاستماع لأشواقهم إلى الشهادة وحنينهم إلى الموت في الصفوف الأمامية؛ فخرجنا خجلا، تدمع أعيننا حسرة على أنفسنا لبعد المسافة التي قطعوها وتخلفنا عنهم. ففي هذه الميادين ترى وتسمع العجب العجاب؛ لاسيما إن كان الحديث عن الشهادة والشهداء.
فإليكم هذه الجلسة وما يتمناه الإخوة: كيف تحب أن تلاقي الموت في سبيل الله؟
بدأ أخ: “أريد أن أقتَل وأنا في الصفوف الأمامية، مغيراً على أعداء الله، مقبلا غير مدبر، فترديني رصاصة تصيبني في رأسي فأسقط شهيدا”. وأجاب آخر: “أريد أن أقتَل غريبا في ديار الغربة، بعيدا عن الأهل والأحبة، مهاجرا في الله، وشهيدا في سبيله، وهكذا أحشر يوم القيامة غريبا من غربائه، ومهاجرا من مهاجريه، وشهيدا من شهدائه”. وأخذ عنان الكلام مجاهد آخر، وأشار إلى نحره قائلا: أريدها -أي الرصاصة- هنا كما أشار الصحابي الذي جاء من البادية وآمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، واتبعه حتى غنم له النبي صلى الله عليه وسلّم من الغنيمة سهما، فأخذه وأتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ما على هذا أتبعك! ولكني أتبعك على أن أرمى هنا -وأشار إلى حلقه- بسهم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “إن تصدق الله يصدقك”.
فلبثوا قليلاً ثم نهضوا في قتال العدو، فأُتي به للنبي صلى الله عليه وسلم يُحملُ، وقد أصاب السهم حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “أهو هو؟ قالوا: نعم، قال: “صدق الله فصدقه”. ثم كفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبته صلى الله عليه وسلم، ثم قدمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: “اللهم هذا عبدك، خرج مهاجرًا، فقُتل شهيدًا، أنا شهيد على ذلك”.

فاشرأبّ أخ مجاهد ليخبر عما يتمناه ويدعو به في دبر صلواته قائلاً: كم من مجاهد تمزق في سبيل الله على إثر قنبلة قذفتها طائرة بدون طيار أو الطائرة من نوع أم 52 ولم يبق منه سوى أشلاء متفحمة لا تشكل ربعه، وأنا أحب أن تقذفني هذه الأخيرة وتجعلني في الله شذر مذر لأحشر يوم القيامة بذرات لحمي، وفحم أشلائي التي جمعها الناس لتكون جسدا لي في قبري”.

وقال آخر: “أنا أحب أن أقتل وأنا بين جموع من علوج الكفرة فأشق جمعهم، مثخنا فيهم حتى أقضي نحبي وأنا على هذه الحال”.

سبحان الله! أين نحن من هذا؟! وهناك في أرض خاشرود كثير من الإخوة لاقوا حتفهم هكذا؛ فشهيد داس قنبلة وتمزق وتقطع حتى تعذر على الإخوة جمع أشلائه ولحمه من المنطقة المزروعة بالألغام. وشهيد قذفته الطائرة وتطاير لحمه وأشلائه، ولم يبق منه إلا القليل. وشهيد خرت عليه الأبنية إثر القصف الكثيف وقضى نحبه تحت أكوام الأنقاض. وشهيد احترق في سيارته ولم يبق منه إلا فحم جسده الشريف؛ وهكذا استشهد أميرنا الباسل “الملا أختر محمد منصور” وهو في سيارته. تقبلهم الله جميعا، وألحقنا بهم.
فتمنّى كل واحد منّا كيف يلاقي الموت في سبيل الله ولم يبق في الذاكرة من أمنية الإخوة إلا القليل.

قد تندهش وأنت تجالس الإخوة المجاهدين من أمنياتهم، وتتعحب من هيامهم إلى الشهادة من أصغرهم سنّا إلى أكبرهم عمرا.

ولعلي أنقل لكم في الحلقات الآتية مقتطفات من روائع ما شاهدته من حبّ الشهادة والحنين إليها في أرض خاشرود، إن وفقني الله، وهو الموفق لكل خير.

مقالات ذات صله