الأحد , 17-01-2021

من قصص أيتام أفغانستان

من قصص أيتام أفغانستان

 

عاكف مهاجر

 

تمر البلاد بظروف حرجة، يستمر حمام الدماء وإزهاق الأرواح، وتتصاعد أنات الثكالى، وصرخات اليتامى، وزفرات الأيامى من كل منزل، ولا زالت جروح الأفغان نازفة ومعاناتهم مستمرة..

قبل أيام أتيحت لي فرصة السفر مع صديقين إلى ولاية “ميدان وردك”.

بدأنا السفر لنزور الأسر المكلومة والمنكوبة بفقدان أربابها وأحبائها جراء الغارات الجوية والمداهمات الليلية لقوات الاحتلال الأمريكي، وكان يوما حزينا ومختلفا عن الأيام الأخرى.

 

الله أكبر! زرنا أطفالا صغارا، نعم، صغار وكأنهم أفراخ، ضعاف لا حيلة لهم، إنهم أيتام أفغانستان. وإليكم قصتين من قصص هؤلاء الأيتام لتدركوا مدى ضعفهم واحتياجهم ومعاناتهم.

 

 

طفل يتيم يتولى شؤون أسرته

في البداية زرنا تلك الأسرة التي كان يتولى شؤونها الفطيم (حذيفة) ابن السنتين، وكانت الأسرة مكونة من أربع نسوة وثلاثة أطفال.

حيث قتلت القوات المحتلة الغربية أربعة رجال منها في يوم واحد، ولم يبق في الأسرة أحد من الرجال إلا (حذيفة) ابن السنتين.

وكانت القصة أنه استهدفت طائرات الدرونز الأمريكية “قتيبة” صباحا، مما أدى إلى مقتله، ولكن لم تُترك هذه الأسرة لتقيم العزاء لشهيدها، فلم تثلج قلوب الظلمة المجرمين، فقتلوا في المساء عددا من أفراد هذه الأسرة أثناء رجوعهم من العشاء الذي جهزه لهم أهل القرية لاشتغالهم بالحزن، باستهداف السيارة التي كانت تقلهم، فاندلعت فيها النيران وتطايرات أشلاء الشهداء.

يقول رجل من أهل القرية يدعى (عابد): جمعنا الأشلاء وأتينا نحو منزلهم، فاستقبلتنا امرأة عجوز وهي محتضنة طفلا رضيعا قائلة: لم يبق في منزلنا أحد من الرجال إلا هذا الطفل الرضيع.

ذهبنا لنتحدث مع تلك العجوز، ولكنها كانت مغتمة محتبسة، ولكن حذيفة الصغير بدأ يتكلم قليلا قليلا، كان يتقن فقط هذه الجملة: (الكفار قتلوا والدي).

وحذيفة هو الطفل الذي علقت به آمال أربع نسوة وثلاثة أطفال، أنه سيكون ربا للأسرة، ولكنه لا يدري أنه صار محروما من حنان والده وشفقة جده وحب أعمامه.

 

اليتيم “محمد طارق” يريد من شقيقه البالغ من العمر عشر سنوات تعويض حب والده

وبعدها بأسابيع ذهبنا برفقة بعض الأصدقاء إلى منطقة “شملزو” بمديرية “زرمت” التابعة لولاية “بكتيا”، حيث داهم المحتلون والمليشيات الأفغانية هذه المنطقة في 13 من شهر مايو عام 2018 الميلادي، وقتلوا قرابة 70 مدنيا فيها.

زرنا منازل هؤلاء الشهداء في المنطقة، منهم عالم الدين (المولوي عبد الرحيم) الذي لم يكن مجاهدا، ولم يكن على صلة بالمجاهدين.

استشهد المولوي عبد الرحيم في المداهمة، وخلّف أيتاما صغارا منهم ابنه “عبد الله” ابن عشرة أعوام، والذي خرج إلينا محتضناً أخاه الصغير، فجلس وحكى لنا قصة المداهمة كالآتي:

في منتصف الليل (حوالي الساعة الثانية عشر) دقّت المليشيات الأفغانية الخاصة باب دارنا بالقوة، فناداهم أبونا أن اصبروا قليلا وسأفتحه لكم، لكنهم تسلقوا الجدران وقفزوا إلى المنزل قائلين: لا حاجة إلى فتح الباب، ثم قاموا بتفجيره فورا، ودخل حشد من القوات إلى المنزل وامتلأت الساحة.

يقول الطفل “عبد الله”: بدأ الظلم والوحشية مع وصول المليشيات إلى منزلنا، حيث كانوا يخرجون من غرفة ويدخلون إلى أخرى، ويضربون النساء والأطفال، وبعد التفتيش أدخلونا إلى غرفة وفصلونا عن والدنا.

وأضاف الطفل “عبد الله” -بصوت باكٍ صاحبته دموع غزيرة-: وكانت تلك اللحظة هي آخر مرة رأيت فيها والدي في حياتي. حيث أنهم أطلقوا الرصاصة على رأسه في غرفة أخرى وقتلوه شهيدا.

والصغير “محمد طارق” كان عمره وقت استشهاد والده أربعة أشهر، وصار الآن يتحدث قليلاً، لكن المحتلين وعملاءهم حرموه من شفقة والده، فكان يريد من شقيقه الأكبر “عبد الله” أن يعوّضه عن حب والده وحنانه وعطفه.

 

وليس هناك “حذيفة” و”محمد طارق” فقط، بل هناك مئات من العوائل التي قتلت قوات الاحتلال والعمالة جميع رجالها وصارت النساء والأطفال يتجرعون مرارة اليتم والفقر.

فكل شبر من أرض أفغانستان مخضب بدماء الشهداء فالمحتلون الأمريكيون وعملاؤهم أقاموا المآتم في منازل الأفغان؛ قتلوا الرجال، ويتّموا الأطفال ورمّلوا النساء وسفكوا الدماء.

لعن الله من فجع هؤلاء الأيتام بآبائهم، قاتل الله من حرمهم من حنان آبائهم، إن هؤلاء القتلة يستحقون عقاب الله وسينزل بهم قريبا، ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار..

مقالات ذات صله