الإثنين , 03-08-2020

أسرانا البواسل

أسرانا البواسل

أ. خليل وصيل

 

في بداية الحرب الصليبية الراهنة هددت حاملة لواء الصليب أمريكا المجاهدين قائلة: “إن الإرهابيين ليس لهم إلا الموت أو الأسر”، وجربوا كافة الأساليب المشروعة وغير المشروعة لكسر عزيمة وإرادة هذا الشعب الأبي المجاهد، واتبعوا سياسات شتى لقمع صموده وصبره، وكان من تلك السياسات الظالمة؛ اعتقال أبناء الشعب المخلصين في المداهمات الوحشية الظالمة وحملات الاعتقال العشوائية فاعتقلوا واعتقلوا واعتقلوا… حتى لا تكاد تخلو عائلة أفغانية من شهيد أو أسير، وأثاروا الرعب والذعر في قلوب من تبقى من العباد والبشر.

مئات الآلاف من الأفغان بمن فيهم الأطفال والشيوخ تعرضوا للمطاردات والاعتقالات منذ بداية العدوان الأمريكي.

لقد عاملت أمريكا هؤلاء الأسرى معاملة لا إنسانية، معاملة تنتهك القوانين والتشريعات الدولية التي جاءت في اتفاقيات جينف الثالثة وغيرها بشأن الأسرى والمقاتلين، واستخدمت أفظع الأساليب في تعذيبهم وقهرهم، والتي ستكون وصمة عار على جبين أدعياء حقوق البشر إلى الأبد.

استخدمت الأساليب الظالمة التي تنتهك آدميتهم، ومعنوياتهم وصحتهم، وعقيدتهم وحياتهم، وقد ذكر بعض الأسرى جزءا من هذه التعذيبات في مذكراتهم التي كتبوها بعد خروجهم من الأسر.

هؤلاء الأسرى ذاقوا على مدار عقدين من الزمن كافة أشكال المعاناة والألم، تجرعوا مرارة السجن وتكبدوا ويلات التعذيب والاعتقال، وكثير منهم حُكموا بالإعدام أو بالسجن المؤبد والبعض سُجنوا وغُيبوا في غياهب السجون منذ سنوات عديدة، وأنهكت أجسادهم العديد من الأمراض الخطيرة والمزمنة، وخاضوا جميعهم العشرات من الإضرابات المفتوحة عن الطعام لكي يعيشوا بكرامة ويحصلوا على حقوقهم.

نعم، لقد واجهوا ظروفاً مأساوية صعبة، وعوملوا بإذلال واحتقار وعدم احترام لحقوق الإنسان وكرامة العيش الآدمي، حتى القوانين والمعاهدات التي نصت عليها الشرائع والمنظمات الأممية رفض الاحتلال وعملائه التعامل بها أو الاعتراف بها في سجونه. وتعرض الأسرى لكافة أساليب التعذيب الجسدي والنفسي بهدف إذلالهم وتحطيم معنوياتهم داخل السجون والزنازين وثنيهم عن المقاومة والنضال.

واجهوا تعذيبات المجرمين بكل صبر وصمود حتى ارتقى منهم عدد كبير شهداء، البعض منهم ارتقى شهيدا نتيجة القتل العمد، والبعض استشهدوا داخل السجون والمعتقلات نتيجة إطلاق النار مباشرة عليهم، وبعضهم قضوا نحبهم نتيجة الإهمال الطبي، وبعضهم قتلوا نتيجة التعذيب الهمجي.

لكن العزيمة والإرادة التي يتسلح بها أسرانا أقوى من آلام ومعاناة السجن، فأبطالنا صبروا بكل عزة وشموخ، والاعتقالات لم تكسر شوكتهم، ولم توهن عزيمتهم، ولم تزعزع الأمل في قلوبهم بحتمية النصر والتمكين مهما طال الزمن. ولم تثن إرادتهم السنوات الطويلة من القهر والحرمان خلف قضبان الظلم والاستعباد.

فلله دركم أسرانا، وقفتم أمام ظلم الطغاة شامخين كشموخ الجبال الراسيات، ما زادكم ظلم الظالمين إلا عزة وعنفوانا.

أسرانا البواسل، هذه الإيذاءات والإبتلاءات أصابتكم في سبيل الله، وسيثيبكم الله عليها، تأتي الابتلاءات والمحن في الحياة ليغفر الله بها ذنوب عباده، ويدخلهم الجنة ويرفع درجاتهم.

أتت هذه الابتلاءات على عباد الله المخلصين الأنبياء عليهم السلام، فبعضهم هددوا بالأسر، وحيكت المؤامرات لاعتقال بعضهم، وبعضهم مكثوا سنوات عديدة خلف قضبان السجون.

إن كثيرا من الصحابة رضي الله عنهم اعتقلهم مشركوا مكة وأذاقوهم ألوانا من العذاب حتى يتخلوا عن الإيمان، وقصص بلال، وصهيب وعمار، وياسر، وسمية، وخباب وخبيب رضي الله عنهم مشهورة مستفيضة في هذا الصدد. وكذا كثير من التابعين والأئمة والعلماء زج بهم أهل الباطل في السجون. (وَكَأَیِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَھُ رِبِّیُّونَ كَثِیرٌ فَمَا وَھَنُوا لِمَا أَصَابَھُمْ فِي سَبِیلِ اللَّه وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّھُ یُحِبُّ الصَّابِرِینَ). [آل عمران ١٤٦]

يا أصحاب الصبر نحن نعتز بكم، نحيي صبركم وصمودكم وثباتكم، أنتم أبطالنا، أنتم أيقونات الحرية، ناضلتم وقدمتم التضحيات، وأفنيتم زهرة شبابكم خلف قضبان السجون، من أجل مقدسات الإسلام وتحرير بلدكم.

والشعب الأفغاني المرابط الصابر يحيي صمودكم أيها الأبطال الأشاوس، يا من قضيتم شطرا من أعماركم وراء القضبان في سجون الاحتلال حتى منّ الله عليكم وخرجتم من السجون سالمين غانمين رافعي الرؤوس.

لقد ظهر للناس كلهم بخروجكم أن ليل السجن والاحتلال زائل، طال الزمن أم قصر، وأن فجر الحرية والاستقلال آتٍ لا محالة.

إن قضية الأسرى كانت تشغل بال الإمارة الإسلامية وهي على رأس أولوياتها، وقد عملت جاهدة بكل السبل لتحرير الأسري مهما كلفها في سبيل ذلك من الشهداء والجرحى، كما أنجزت عدة صفقات لتبادل الأسرى مع العدو، وأخيرا جعلت قضية الأسرى جزءا من إتفاقية إنهاء الاحتلال، وبموجبها حررت آلاف الأسرى من أيدي العدو.

ونقول لأسرانا البواسل الذين لازالوا يقبعون وراء زنازين المعتقلات، اصبروا قليلا فوالله ما هي الا أيام وسرعان ما تنقضي. اصبروا فإن الفرج قريب، والفجر آت لا محالة لنرى أسرانا كلهم بين ذويهم وبين أبناء شعبهم، وحتما سنلتقي بكم عما قريب وما ذلك على الله ببعيد.

مقالات ذات صله