الإثنين , 03-08-2020

شهداؤنا الأبطال: عبقري ميادين الجهاد؛ الحافظ محمد تقبله الله

شهداؤنا الأبطال: عبقري ميادين الجهاد؛ الحافظ محمد تقبله الله

أبويحيى البلوشي

 

إن للإنسانية معاقل، وللمسلمين مدارس يجدد الله دينه بتلاميذ هذه المدرسة، ويمسك برجال هذه المعاقل يد البشرية الحائرة الثائرة ليحميها من التردي في المهالك والتورط في المغارق، ومن هذه المدارس التجديدية الخصبة التي لعبت ولازالت تلعب دور الأمّ الولود الودود لهذه الأمة التي ما إن قُتل منها قائد عظيم يُظنُ بموته الظنون، ويخشى بفقده على حياة هذه الأمة إلا وأنجبت لها قائدا أشجع وأصلب عودا، وأعمق نظرا، وأوسع فكرا، وأبعد رؤية، وأكثر عملا وانتاجا من ذي قبل، وما إن أطفأ جمر في امتداد تاريخها الطويل العريض إلا وشبّ جمر أشد لظى، وأعظم أوارا من أختها، فهذه المدرسة هي من أنجبت أمثال صلاح الدين، ونور الدين، وعمر مختار، والملاعمر، وأختر منصور رحمهم الله وليست هذه المدرسة التجديدية الخصبة والدوحة المثمرة اليانعة إلا مدرسة الجهاد والاستشهاد.

هذه مدرسة الجهاد التي تربى فيها الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وتربى بعدهم رجال صاروا قناديل تستضيء بهم الأمة في دياجير الظُلَم.

وفي هذه العجالة، أخط مداد الكلمات عن تلميذ من تلاميذ هذه المدرسة الرحبة، عن البطل الأبي، عن الأسد الضرغام، الشاب العبقري المثالي الشهيد الحافظ محمد نحسبه كذلك والله حسيبه‌.

 

مولد الشهيد البطل ونشأته

أبصر شهيدنا المغوار النور في ديار الهجرة بمدينة زاهدان في تاريخ 1372ھ‌.ش، في أسرة متسمة بالدين، مشتاقة إلى الجهاد، ومستعدة للتضحيات والفداء، نشأ في أحضان أب ذي عقيدة طيبة وأم منغمسة في العبادة.

كان الشهيد اليافع من أنبغ جيل زمانه، ومن عباقرة أقرانه، حيث كانت تبدو فطنته في صغره في المجالات المختلفة، فدخل المدرسة النظامية وهو ابن ست سنين ليستعد للسنة الأولى من الدراسة، فكان يصاحب تلاميذ السنة الأولى ويدرس معهم بعض الكتب شهورا قليلة حتى يدرك الأستاذ أنه عبقري من عباقرة زمانه؛ إذ أنه يقابل تلاميذ السنة الثانية ذكاءً وفطنة في الدراسة، وهو حتى الآن لم يصل إلى السنة الأولى، وبهذا انفجرت دهشة أستاذه وعلم أن له مستقبلا زاهرا‌.

مضت عليه سنوات عديدة من دراسته النظامية، حتى ترك الدراسة مضطرا ولجأ إلى العمل والرياضة.

فكان يعمل الأيام ويشترك الليالي في الرياضة، يجرب أعمالا مختلفة خلال هذه السنوات العديدة ويذوق مرارة الأعمال المختلفة، ولكنه لم يترك الرياضة مطلقاً، فكان يبدو منه الذكاء في هذا المجال والميدان، حتى صار أسطورة وبطلا يعرفه كل رياضي صغير وكبير، حتى الحكام كانوا يعرفونه لفوزه في الكثير من المسابقات الرياضية، فهو رحمه الله كان يفوز في كل مباراة ومسابقة رياضية يشترك فيها، حتى تعجب منه الحكام لفوزه الكثير، وحضروا عنده مرات وكرات لينظروا كيف يمارس الرياضة وأين يمارسها؟!هكذا صار الشهيد البطل أسطورة عبقرية في مجال الرياضة.

ومن قصص خلقه الرياضي أنه كان له صديق حنون يرافقه في الرياضة فكان الحافظ (محمد) يعمل كل يوم ويقسم ما يجنيه من العمل إلى قسمين، قسم له وقسم لصديقه، فكان كل يوم يكرر هذا الفعل.

ومن قصصه الأخرى أنه كان يفوز كل مرة بالوسام الذهبي، وكان صديقه يفوز بالوسام الفضي، فمرة أحس الحافظ أن الأمر يحزن صديقه، فترك صديقه في إحدى المرات يفوز ويحصل على الوسام الذهبي، ويكون هو في الدرجة الثانية فيحصل على الوسام الفضي، وهكذا نشأ رياضي صاحب مروءة، مستعد للجهاد في سبيل الله جسمًا وروحًا.

 

الشهيد البطل يرى الحق ويدخل ساحة الجهاد

كان الشهيد العبقري زمن دراسته النظامية يدرس في العطلة الصيفية القرآن والكتب الدينية، وذات مرة إذ اشترى لنفسه قرآنا مترجما، التقى في حلقات الدرس بعضا من المجاهدين، وحينما رأوا ذكاءه وفطنته دعوه إلى الجهاد في سبيل الله. سمع الشهيد البطل كلامهم فسكت وتمهل وطلب منهم الوقت ليفكر أكثر، فبدأ بالتفكير والتدبر والنظر في آيات الله عز وجل في قرآنه المترجم، كان يفتح القرآن وينظر إلى هنا وهناك، إلى هذه السورة وتلك حتى وصل إلى سورة الأنفال والتوبة.

وصل الشهيد إلى هاتين السورتين وهو ينظر إلى التراجم، فواجه آيات عديدة من الجهاد في سبيل الله، هنا رأى برهان ربه الذي هو‌ أوضح من الشمس، وعلم أنه لا عدل بغير الجهاد، ولا نجاة بغير الجهاد، واستنتج أنه لا حياة في الحقيقة بغير الجهاد ولاحرية بغير الجهاد.

بعد هذا العشق الوافر والحب الغزير للجهاد في سبيل الله، رأى الشهيد في نفسه الاستعداد والاشتياق والحرص للوصول‌ إلى الجهاد في سبيل الله. فتحرك نحو‌ أفغانستان؛ موطنه القديم القويم، معقل الإنسانية ومقبرة الغزاة، ليصل بنفسه المشتاقة المتلهفة إلى برافشة، فدخل في معسكراتها وبقى هناك أربعة شهور يتعلم العلوم العسكرية ليكون جنديا عبقريا في سبيل الله تعالى.

بعد أربعة أشهر مضت عليه فى المعسكرات، رجع الحافظ إلى بيته، يأتي وهو عابد لله راكع له وساجد، لكنه لا يستطيع أن يبقى في البيت أكثر من ستة أشهر لشغفه ولهفته إلى ساحات القتال وميادين النضال، فرجع إلیها وبقى فيها شهورا كثيرة في ساحة الجهاد يخدم المجاهدين والجهاد.

 

عبقريته العسكرية ومواهبه العسكرية

دخل الحافظ ساحة الجهاد وهو يتعلم الفنون العسكرية بأي طريق أمكن له، فكان يتتلمذ عند أساتذة المتفجرات والأسلحة، ويقرأ ما بدا له وأمكن من الدروس العسكرية في الجوال، حتى صار الحافظ أستاذا حقيقيا للقناصة ومعلما كاملا للمتفجرات بعد أن جرب كثيرًا من الصيغ من كتب المتفجرات، وصار مجربا في فن المتفجرات إلى حد نُقل عن الشهيد المولوي قدوري رحمه الله أنه قال: لو كان الحافظ في فلاة لاستطاع أن يصنع نوعًا من البارود يضرّ به العدو.

وبعدما حصل المجاهدون على سلاح ذا منظار ليلي، اشترى الحافظ -بمال استدانه- هذا السلاح ليزهق أرواح أعداء الله.

فكان أستاذا في هذه الأسلحة. وإن أرض خاشرود وجثامين المرتزقة النتنة أعظم شاهد لمواهبه في استعمال هذه الأسلحة، فقد هلك كثير من حراس العدو في الليل بهذا السلاح.

 

خدماته الجهادية

مضى على الحافظ ثلاث سنوات من دخوله الأول لساحة الجهاد وهو يتلهف إليها ويتكلم عنها بكل حسرة وأنة، فما مضت السنة الثالثة بأكملها إلا وجمع نفسه من أرض الهجرة وقدم إلى ساحة الجهاد مهاجرا هجرة إلى الله بلا رجوع، يبتغي القتل والموت مظانه، فبدأ يقاتل ويجاهد عشر سنوات يومًا كجندي ويومًا كقائد عبقري ويومًا كأستاذ للأسلحة والمتفجرات، مضت عليه السنوات العشرة وهو يقض مضاجع أعداء الله بسلاحه القناص وبقنابله اليدوية والصواريخ، فكنت تراه ليلة في عملية قتل العدو، وليلة في عملية زرع الألغام لدبابات العدو، وليلة في ترصد العدو.

ولقد خدم الحافظ الجهاد خدمة قلما يخدمه بها أحد من أقرانه، فقد خدمه وهو شاب يافع ذكي كان يستطيع أن يعيش بهدوء وطمأنينة بعيدًا عن أي خطر وبلاء، ولكنه خاض غمارالمعارك، ومضت عليه عشر سنوات وهو يتحمل الأذى في سبيل الله، وصبر واحتسب حتى استشهد، وإن جميع المجاهدين يشهدون على مدى صبره في الكوارث وقوته في تنفيذ العمليات، وإشفاقه على المجاهدين.

ولقد صار أسوة للمجاهدين في منطقة خاشرود خير أسوة، وخاصة عندما بدأ بالعمليات المختلفة، حيث كان المجاهدون يشتركون في العمليات متناوبين، مع أنه بنفسه كان يقود العمليات كل ليلة فما كلّ في سبيل الله ولا ملّ.

وإن أرض خاشرود خير شاهد لبطولاته وتضحياته، فقد أحال جنود العدو جيفا صرعى، ودباباتهم وآلياتهم قطعاً حديدية متشظية.

لقد كان قائدا مثاليا، ونموذجا يحتذى، فقد كان في قيادته كالصحابي الجليل القائد أسامة بن زيد، وكان صادعا بالحق كأبي ذر، وشجاعا أبيا في الحروب كحمزة، وناصرا للمظلوم كعمر رضي الله عنهم.

ومن أوضح دلائل همته العالية؛ حفظه لكتاب الله في ساحة الجهاد، فقد حفظ كلام الله في ساحة الجهاد إلى جانب خدماته الجليلة لهذه الساحة.

 

صفات الحافظ المميزة

كان الشهيد البطل من عباقرة المجاهدين وأشجعهم تمامًا، وأصبرهم أمام العدو وعلى الشدائد والنكبات كما يصفه رفاق دربه، وكان من أكثرهم تفكرا في إضرار أعداء الله وفي طرق ذلك وأنواعه، حيث خصص لنفسه غرفة في جبهة “عثماني” يخطط للنكاية في العدو، وكان من أبغضهم للكفار والمنافقين وأكثرهم فطنة وذكاوة.

كان الشهيد العبقري يعتزل الجميع آخذا مسبحته بيده يذكر الله، في حين كان الجميع يلعبون ويتمازحون، فكلما فرغ من العمل كان يذكر الله بلا حول ولاقوة إلا بالله.

كان كريم النفس قانعا مستغنيا، لايفكر إلا في إضرار العدو.

ولقد عاش في أرض الجهاد يجمع صفوف المجاهدين، ويرتب العمليات، ويرصد حركات العدو، ويسرب في قلب العدو ويبدأ بالقتال، ويتقدم وينغمس في نقطة لم ينغمسها إلا البعض من المجاهدين، وكان من أسرعهم للدخول في قواعد العدو.

صحبته شهورا فوالله مارأيته إلا بطلاً عبقرياً هماماً، كان يصدع بالحق ويدافع عن المجاهدين وينصرهم ويعاونهم ويعلمهم ما يعلم. ورأيته لو فوض إليه الأمر كان ينهيه بأفضل طريق.

كان جادا في أفعاله، صارما في كلامه وخطواته، متدبرا في تخطيطاته، وكان لا يقوم بعملية إلا ويخطط لها يوما وأكثر، وما رأيته يقصد تنفيذ عملية إلا ويستشير من له خبرة وتجربة في الأمر حتما.

كنت معه في منطقة أخرى من مناطق الإمارة الإسلامية، حيث أراد تنفيذ عملية فبدأ يستعد لهذه العملية أسبوعا كاملا، وكان لا يتكلم مع أحد إلا بقدر الضرورة ولا يهدر وقته ولا يلتفت إلى هنا وهناك.

 

الأيام الأخيرة من حياته

لقد تغيرت أحواله في العملية الأخيرة كما يقص تلميذه ورفيق دربه أنه كان في فرح، وكان يصبر على الشدائد أكثر من قبل، وذات مرة كنا في عملية اثنان لا ثالث معنا، قلت للحافظ بعد أن أرهقتني الكوارث أن الله رحيم بنا، فإن هذه العملية كما تظهر من أولها مليئة بالشدائد.

فأجابني: لا والله فإن هذه العملية ستكون من أفضل العمليات إن شاءالله، ونعم ما قال، فلقد جعل الله آخرها استشهاده تقبله الله.

ففي يوم السادس من شهر الشوال المبارك (1441هـ.ق) عندما غربت الشمس، قام المجاهدون بالإقدام نحو ساحة الأعداء بمديرية تشاربرجك. ومن جانب آخر نصب الأعداء كمينا للمجاهدين بعدما أخبرتهم العيون عن العملية، فقدم المجاهدون نحو المنطقة إذ أحسوا بوجود العدو فوق تلة قريبة من منطقة العدو، حيث أخبر أحد المجاهدين أنه سمع أصواتاً خلف التلة وأنه رأى شيئا فوقها، فأمر أمير العملية الحافظ أن يعلو فوق التلة ليترصد العدو، وحينما ذهب الحافظ صاحب المنظار الليلي فوق التلة صرخ في اللاسلكي أن العدو قادم بسرعة، فبدأ بإطلاق الرصاص وكان كلما أطلق الرصاص عليهم، صرخ في الجهاز: قتلته قتلته. وفي تلك الأثناء، أطلق جندي من جنود العدو كان مستتراً بعيداً عن الرصاص على الحافظ فخضب أرض تشاربرجك بدمائه الطاهرة وطارت روحه إلى الله تعالى. فقدم المجاهدون نحو جنود العدو وقتلوا الجندي المرتزق المتخفي.

 

الشهيد كما يصفه زميله

صارم محمود: أكتب هذه الكلمات ومدامعي تسح مدرارًا؛ فيراني أبي ويسألني متعجبًا لماذا هذه المدامع يا فلان؟ وبما أني أكتم عنه أمر الجهاد، أحاول أن أجرّ الكلام إلى ناحية أخرى، بَيد أن هذه العبرات المنسكبة، وهذه الغصة التي خنقتني لا تعرف الكتمان والتخفي، فأقول في نفسي، ومدامعي تترجم لأبي:

أبتاه لا تدري على من تسيل هذه المدامع حتى أني لا أستطيع تمالكها، ولا تدري يا أبتاه من أجلَسنا على جمر الغضا نتلهب! ولا تدري يا أبتاه من فقدناه ومن أفتقد! وإنك لو علمت يا أبتاه أخالك تتقطع كمدًا له، وتنهمر مدامعك حزنا عليه.

تسيل دموعي على ترجّل فارس، أبيّ، شهم، عاش للجهاد عيشا قلّما رأيت رجلا انقطع للجهاد مثله، ترجل من كان كخالد في جبهتنا، لم يكن يعرف الملل ولا يعرف الكسل.

ترجّل القناص الصابر الذي أطار النوم من أجفان المرتزقة، فلم يمض ليل إلا وقناصنا كان يقنص رأس مرتزق. يا ليتك تعرف حال الحرّاس المرتزقين في “خاشرود” الذين أجبرهم الحافظ على أن لا يرفعوا رؤوسهم من مكان حراستهم ولو لدقيقة، فكان الليل يمضي كاملا وهم منحني الرأس أذلاء صاغرين. ويا ليتك كنت تعرف مدى خوفهم وهلعهم من الحافظ، حتى كانوا يربطون الضوء على خشب ويرفعونه من موقع حراستهم خوفا وهلعا. ويا ليتك تسمع صراخاتهم وآهاتهم، يا حافظ! ماذا فعلت بهم حتى بلغ بهم الخوف هذا المبلغ الكبير بحيث لا يطبقون أجفانهم ولو لهنيهات، ولا يخرجون من جحرهم ولا لسويعات.

ترجل الحافظ وما أدراك من الحافظ، تعجز الكلمات عن وصفه، وتخونني العبارات، فحسبي أن أقول وأنا متفاجئ في هذه الساعة بهذا الخبر ومأخوذ به: لم ألتق بمجاهد في ساحة خاشرود، ورودبار، ودك، وتشاربرجك إلا وألسنتهم تسيل مدحا له، وتأثرا منه، كيف لا! وهو الذي نسّق في شهر أكثر من ٢٥ عملية، وكان يقودها بنفسه، وهذا ما أثار إعجاب القادة المتمكنين في تنسيق العمليات، ولا عجب في من لا يرتبط مع أحدٍ مجاهدا كان أم من سائر الناس إلا قليلا فيما يخص أمر الجهاد؛ تفاديا لضياع الوقت في ما لا يعني الجهاد، وفيمن بنى لنفسه غرفة خاصة في جبهة “عثماني” بحزام خاشرود، وهو في دوامة التخطيط والتنسيق والإغارة، فيوما بزرع لغم، وليلا بقنص مرتزق، وساعة بنصب كمين..

كانت هذه الكلمات القليلة في هذه الساعة الحرجة عن بطلنا الحافظ، وإلا فلا تكفي مناقبه السجلات.

 

عندما أخبرت أم الشهيد عن استشهاده

بعد استشهاد الحافظ رحمه الله، أرسلت رسالة تعزية إلى أخيه كي أخبره باستشهاده، فاغتم أخوه من جانب ولكنه فرح من جانب آخر. وبعد ذلك أخبر أخو الحافظ أمه باستشهاده.

فلنسمع القصة بلسان أخيه، إذ يقول: ذهبت عند أمي وهي جالسة في الدار تتكلم مع جدتي، تتجاذبان أطراف الحديث، جلست عندها وقلت أماه لقد تزوج ابنك منصور، فقامت الأم تهلل وتكبر وقالت الحمدلله، ظناً بأن الشهيد تزوج بامرأة.

مكثت قليلا، فسألت أمي: بمن تزوج ابني؟ قلت: أماه إنه تزوجت بسبعين من الحور العين، فبدأت الأم تبكي وتبكي وقالت: وا أسفاه على المنصور، فلقد مكثتُ عشر سنوات كاملة أنتظره، كلما دق أحد الباب أو دخل البيت داخل أظنه هو ابني، وها قد تم الوصال وحان الفراق ولكن الآن لابد أن أموت بهذه الحسرة.

فأجتها: أماه! لاتحزني فما خطى ابنك في سبيل غير سبيلك يوما، وها هواليوم شهيد خالص لله ولدينه فلا تحزني.

وذكرتها بهذا الحديث: رَوى أنسُ ابنُ مالكَ رضِيَ الله عنهُ أنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بنتَ البراءِ، وهي أُمُّ حارثَةَ بنِ سُراقَةَ، أتتِ النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ: (يا نَبيَّ اللَّهِ، ألا تُحدِّثُني عن حارثَةَ، وكان قُتِلَ يومَ بَدرٍ، أصابَهُ سهمٌ غَرْبٌ فإن كان في الجنةِ صَبَرتُ، وإنْ كان غيرَ ذلك، اجتَهَدتُ عليهِ في البُكاءِ؟ قال: يا أُمَّ حارثَةَ إنها جِنانٌ في الجنَّةِ، وإنَّ ابنَكِ أصابَ الفِردَوسَ الأعْلَى).

 

فلنعلم بأنه لا يأس بعد محمد أبدًا، استشهد محمد الأبي، وقتل خالدنا العبقري وارتحل إلى جنان النعيم بعدما تحمل من مرارة الدنيا ما لا يتحمله كثير من الناس، وصبر على النكبات ما لم يصبر عليه الرجال الأجلاد، ولكن مع ذلك لايأس ولا بأس، ولا قنوط بعده، فلقد ابتغاه الله عز وجل، واصطفاه بعد أن زكاه واستخدمه لدينه واجتباه بخدمات جليلة عظيمة كبيرة، وأن دمه لن يضيعه الله، بل سيجعل إهراق دمه نصرًا وفتحًا.

ولنعلم أن في هذه المدرسة المباركة؛ مدرسة الجهاد والمقاومة، يزكي الله عباده ويصطفيهم إليه، فيأتي بأفضل منهم في العزة والعظمة والخدمة والشجاعة والله هو القدير، وماذلك على الله بعزيز.

فاللهم لاتحرمنا أجره ولا ‌‌تفتنا بعده.

مقالات ذات صله