الأحد , 09-08-2020

مسؤوليتنا تجاه الشعب الأفغاني

مسؤوليتنا تجاه الشعب الأفغاني

محمد داود الحقاني

لا يكاد يختلف عاقلان في أن أمتنا الإسلامية قد كابدت ردحًا من الزّمان شتى صنوف القهر والظلم والغطرسة من قبل أعداء شرسين لا يألون جهدًا في تقطيع أوصالها وتشتيت شملها المستمسك بالعروة الوثقى، وذاك لعمري أمر لم يكن يجترئ أي حاكم على الإقدام عليه في ما خلا من المثلات، فضلا عن أن يجترح ذلك مَن هم مِن حاشية الناس وأراذلهم، علاوة على أن ثمة أراضٍ كثيرة احتلها الغرب، ونصبوا فيها خيامهم، وجدّوا في طلب التهام بقاع مترامية الأطراف شاسعة الحدود وفق نظام يكفل لهم النفّاذ إلى أسواق المسلمين ومجتمعاتهم ويأتمر بأوامر الغرب، وهلم شراً…

وإذا استعرضنا صفحات التاريخ وعدنا إلى زمن كانت اليد الطولى فيه للمغولِ ومن حذا حذوهم على بلدان المسلمين وهيمنة جنكيز خان وأتباعه على نصف العالم؛ لرأينا أنه رغم علقم الصروف وبؤس الظروف كانت العقبى للمسلمين، والعاقبة الوخيمة والرزية الفاضحة والفادحة لكل من ناصبهم العداء وملأ قلبه حقدًا عليهم، هذه واحدة.

أما الثانية: ففي عالمنا الواقعي نلاحظ الكثير من الدول المدجّجة حتى أذنيها بأقوى الترسانات من مدافع وصواريخ أجمعت أمرها على قضم وابتلاع أرض الأفغان، وجعلها لقمة سائغة وألعوبة يتصرف بها من هم لترامب إمّعة، وأن تشيد لهم فيها قصور وقلاع حصينة كي يتمكنوا بأيسر طريق من بثّ سمهم الزعاف وإثارة الشكوك والشبهات بين إخوة وسكان دولة أفغانستان، ولا يهمهم في ذلك سوى استمرار ضمان مصالحهم حتى وإن أحالوا خيرها شرا، وحلوها مرا، وربيع روابيها قفراً وقبرا، وذاك مانراه رأي العين من سيء الأحوال والظروف ومنفلت الأوضاع، ما يزيد من تسكن جوانبه نصف روح إنسان كمدًا.

وهنا يجدر بنا أن نقف صادقين مع أنفسنا ونستلهم من بيض الصحائف من ثوابت شريعتنا ورائع مروءتنا وثقافتنا، ونترجمها سلوكات تلامس الواقع في ساحاتنا وذاك مربط فرس مقالي هذا.

أولها: هو التكافل وشدّ أزر الأسر التي قد رحل أفرادها – رجالها- إلى ميادين القتال، وبقيت نساؤهم في ديارهن يُجابِهن كفر الفقر ومرارة الجوع، ونثبت أننا قيمة مضافة وركن خير، وكي يتأتى هذا ينبغي لنا تشكيل عدة لجان بسواعد المسلمين نحو ديار المجاهدين، يتكفلون فيها بنقل ما في وسعهم من مساعدات الأموال سواءً نقدا أو غذاء؛ لتغنيهم عن مذلة السؤال وتكفل لهم ما يسدّوا به رمقهم، وتقر أعينهم، وتسكن نفوسهم، وأفضل المواقيت لمثل هكذا مساعٍ قد تكون في مواسم الخير كالعيد ورمضان مثلا،

وها نحن نجد الكثير من الأسر التي يشكل اقتناء النعال والملابس الجديدة والأردية الغالية أمرا عزيزا عليها دونه خرط القتاد، والأنكى أنهم رامو اشتراءها ليرتدُوها بمناسبة عيد يحتفي به كل المسلمون، كل همهم أن يكون لهم وسام شرف وعلامة امتياز بين الإخوة الآخرين والأخوات الأخريات، حتى لا يحسبوا أنفسهم أجزاء انفرط عقدها وأعضاء تفرّقت وانفصلت عن جسد الأمة الإسلامية التي قال فيها ربنا تبارك وتعالى:

{إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون} وقال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم :(المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا).

ثانيها: هو أمر منوط بأئمة المساجد إذ ينبغي لهم حض الناس من علياء منابرهم على ما فيه الخير والصلاح والدعم المستمر والتكاتف مع عوائل الشهداء، والانفتاح والانخراط في سلك الذين مر بنا ذكرهم سالفا في الأمر الأول من هذا المقال، وبهذا سنضمن أثرا جيدا وكبيرا في نفوس جمهرة الناس،

ونتيجة ذلك أن هؤلاء الأئمة بدعمهم هذه المنظمات قد يدفعون عنها شبهات أولائكم من أناس فسدت عقيدتهم، وذبلت عواطفهم إبان إثارة الفتن وزعزعة العقائد الإسلامية من لدن من لم يرد أي خير للإسلام، فيأتون إليهم من كل حدب وصوب يحذوهم الخير والنصر معا، بالزيادة إلى ذلك تسكن قلوبهم آمال الخير والبركة والنماء والمستقبل النير والقادم الأفضل في وطنهم، وتنجلي فيهم معاني الحيوية والوازع الديني والوعي الإسلامي.

ثالثها: إقامة العلاقات الوطيدة بالحكام المخلصين من دول خارجية ذات ثروة هائلة بما يكفل تلبية أهداف الطرفين وفق متطلباتهم، من خلال مداراة يسيرة بما تمليه حصافة من يساير المرحلة نظرا إلى ماقالته العرب قديما: “دارِهم حيثما دمتَ في دارهم”، ومصداقا لقول الرسول عليه السلام:

(أنزلوا الناس منازلهم)، وهذا يتطلب منا أن الفئة التي قد أعطيت حظا وافرا سواء كان في العلوم الدينية أو العصرية من أعلى طبقات الناس أن يشجعوا التوجه صوب إقامة مثل تلك العلاقات الدولية مايستجلب مصلحة شعبنا الأفغاني من باب: كن كالغيث أينما وقعت نفعت، وإن اضطرّ الإمر إلى قطع حبالها فلا علينا إلا أن نثابر ونصابر ونرابط، والعاقبة للتقوى مهما كان الأمر، مصداقا لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون}.

رابعها: مما لا شك فيه أن قطع رأس الأفعى هو الحل الوحيد لتطبيق القضايا التي سبق بنا ذكرُها آنفا، حتى نقدر على التمييز بين العدو والصديق ومعرفة القبيل من الدبير والنافع من الضار، فنرى كل شيء بنفاذ بصيرة وفراسة مؤمن، وأضف إلى ذلك أن لا نأتمن الصديق الخائن الذي يحيك لنا المكائد، ويبيت الدسائس ضد الشعب الأفغاني في حين خلوته وانسلاله وانفراده بأكابره الذين يقول فيهم ربنا تبارك وتعالى:

{وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون}، وإنما سردنا هذا العنصر الرابع -عرضا- وإن لم يكن له انسجام وترابط بما سبق من حيث هو هو للتذكير أن هؤلاء من أعظم العقبات والمعوقات في مضينا وتقدمنا نحو هدفنا المنشود، ومادام هؤلاء الخونة يعيشون بين أظهرنا كالأفاعي فمن غير اليسير أن نحظى بالظفر والنصر والغلبة على الأعداء، والأمثلة في هذا الصدد كثيرة لا تحصى، نطوي عنها كشحا بغية الاختصار، ومخافة الإطناب…

وبعدما ذكرنا نبذة يسيرة عن تلكم الأمور الأساسية التي ينبغي تنفيذها لأية دولة كانت؛ بودّي القول: إن إعانة المسلمين وإغاثة المكلومين وإدخال السرور على قلوبهم وقلوب أطفالهم وعوائلهم وبالأخص شعبنا الأفغاني الذي لقن غزاته منذ أكثر من عشرين عاما كيف هي أنفة المسلم؟

ولم يقعد دون الوصول إلى هدفه، وبذل النفيس والغالي في محراب الجهاد، ولم يتهاون في تخليص الأمة الإسلامية من مخالب اليهود الذين اغتصبوا بقاعا أفغانية، ووطؤوها بنجس أقدامهم، في حين غفلة من المسلمين، فإننا لو كنا تحلّينا بقليل من يقظة ويسير من احتياط وبقدر من حذر من كل يد تمتدُّ إلى شعبنا باغية الشر والسفك والفساد لما طالت بنا الحروب طوال هذه السنون، وللقناهم دروسا لن تغيب عن ذاكرة الإنسانية ولا عن إعلام إسرائيل العنكبوتي المزيف، ولخُطَّت لنا بطولات وإنجازات وخدمات قيمة تجاه شعبنا الأفغاني،

ولكن لما ينقشع غبار كريهة طال أمدها ، ويكاد يكون الأوان قد فاتنا، غير أن هذا لا يعني البتة أن يستوطن نفوسنا الملل و تكبلها الكآبة والحزن بل مصيرنا ومآلنا بإذن من فلق الحب والنوى إلى الفتح، ومصير أعدائنا إلى الهزيمة النكراء والخسائر الجسيمة، ولا ينبئك مثل التاريخ .

أوَلم يُرخِ عهد التتار والمغول علينا سدوله حيث عاث جنود هولاكو خان في شتى أصقاع العالم، وشردوا المسلمين وأذاقوهم شتى أنواع العذاب ولكن الملسمين انقلبوا برحمة من ربهم ونالوا من بعد هزيمتهم نصرا مؤزرا، وكانت العاقبة للتقوى..

نسأل الله أن يوحد صفوفنا، ويوفقنا لكل ما يحبه ويرضاه ويجزل علينا بالنفع العميم لشعبنا ووطنا وديننا. والله الهادي والموفق لذلك.

مقالات ذات صله