الإثنين , 17-02-2020

الحق لذي حق يمتلك القوة

الحق لذي حق يمتلك القوة

غلام الله الهلمندي

 

رغم مضي سنوات وسنوات، لا زلت أتذكر تلك الوصية الذهبية، عن علاقة المقاتل ببندقيته، تلك الوصية الثمينة التي لا تقدر بثمن، لا أقل في الظروف الراهنة، الوصية التي رنّت في نفسي رنين الدينار في نفس البخيل (كما يقال)، وتركت في نفسي أثرا عميقا. قال مدرّبنا “الأستاذ عمر” (فك الله أسره)، خلال كلمته في أول يوم بدأنا فيه التدريبات العسكرية، قال:  “تخيلوا أن بندقيتكم، هي زوجتكم، حافظوا عليها، تماما كما تحافظون على زوجتكم، وغاروا عليها كما تغارون على زوجتكم.” كان يكرر تلك الجملة خلال التدريب في المعسكر يوميا. إنها قاعدة عسكرية، هناك ثلاثة أشياء، يجب أن لا يتخلى عنها الإنسان، وحتى لا يعيرها لأقرب الناس إليه، زوجته، بندقيته، حصانه.

نعم إن المسلمين اليوم بحاجة للسلاح أكثر من حاجتهم للطعام والشراب والنوم ، وحتى التنفس، فإنها متطلبات الحياة المادّية، ولكن السلاح من مقومات الحياة المعنوية التي تزخر بالشرف والكرامة والعزة والسعادة، إنها الحقيقة التي نعيشها، والتي لا تخفى على من قارن بين الشعوب المسلحة والشعوب العزلاء. ففي الماضي القريب جدا، وتحديدا قبل سنتين أحرقت الآلاف من المسلمين المستضعفين أحياء، وذبحت الآلاف صبرا، وأخرجت عشرات الآلاف من بلادهم وديارهم بيد الأعداء المتطرفين على مرأى ومسمع من العالم، خلال صمت رهيب من القوى الدولية. ولا زال يُقتل ويعذب ويعتقل الملايين من المسلمين دون أدنى مقاومة في تركستان الشرقية. لماذا بدون مقاومة؟ لأنهم عزل لا يملكون السلاح، ولكن الشعب الأفغاني بفضل الله تعالى ثم بفضل أسلحتهم الضئيلة استطاع أن يُجبر جبابرة الأرض على الانسحاب، والمستضعفون الذين يحرقون أحياء ويخرجون من بيوتهم ويسامون سوء العذاب، لا يملكون ذلك الحديد الذي يسميه الناس بالسلاح.
كم نحن اليوم في حاجة  للسلاح الذي يغسل العار والشنار، ويعيد ماء الوجه الذي أريق منذ أمد. ما أحوج المسلمين اليوم إلى البندقية! ما أحوجهم إلى السلاح! ما أحوج آذان المسلمين إلى سماع قعقعات السيوف وصهيل الأحصنة ودوي القذائف، فهم يواجهون نظاما عالميا وقوى دولية لا تعرف إلا لغة القوة والسلاح، فعليهم أن يقرعوا الحديد بالحديد، ويقابلوا الريح بالإعصار، ويقابوا الحمّى بالموت. إنها طبيعة الحياة ومتطلبات العيش في هذا العالم الذي لا يعرف إلا لغة السلاح. إن أية أمة فقدت سلاحها، فقدت عزتها وقوتها ومهابتها وشرفها ومبادئها وأراضيها وكل ما تملك.
فالسلاحَ السلاحَ أيها المسلمون، جهزوا أنفسكم لمقارعة العدو يا شباب الأمة، خلوا النوم عنكم جانبا، واستيقظوا من الغفلة والرقاد، ودعوا التفرج والانغماس في الملذات، فإن السيل قد بلغ الزبى، والمهمة ليست سهلة، وإنما هي في غاية الصعوبة والتعقيد، ولكن كل ذلك يهون في سبيل الحماية عن بيضة الإسلام ودياره، ورد العدوان عنه، يا شباب الأمة قووا أنفسكم، فإن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، واستعدوا وهبوا لما أمركم ربكم: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة” فإن الأعداء قد تداعى عليكم كما يتداعى الأكلة إلى قصعتها، تماما كما أخبر نبيّكم الأمي قبل ما يربو على أربعة عشر قرنا، إنهم قد حاصروكم من كل جانب،  وأغلقوا عليكم كل باب إلى الحرية، وقطعوا عليكم كل سبيل إلى الإستقلال، الإستقلال السياسي والعسكري والثقافي والصناعي والاقتصادي، إنهم قد اتخذوا قرارهم الحاسم حتى يضيقوا عليكم الخناق، ويكمّموا أفواهكم حتى لا تستطيوا الكلام ولا الصراخ وحتى التنفس، إنهم قد اتخذوا قرارهم حتى لا تحظوا أبدا بالعيش في ظلال الحرية.
نعم بات واضحا أننا لن نستطيع أن نأخذ حقنا، ونأخذ ثأرنا ونسترجع مجدنا، ونرد تاريخنا ونعيد حريتنا ما لم يدخل حبّ السلاح قلبّ كل مسلم، ما لم يطرق حب السيف أبواب قلوبنا.
صحيح أن الإسلام لم ينتشر بحد السيف، ولا بواسطة الضرب والعصا والجفوة والقسوة، ولم ينتشر في بحبوحة قعقعات المعارك، ودوي القذائف، وإنما انتشر بسبب وضوح دعوته وسماح رسالته وأخلاق المسلمين، ولكن المسلمين بحاجة ملحة للسلاح لإجل الحفاظ على دينهم وإيمانهم ومبادئهم وقناعاتهم ونفوسهم وأرواحهم وأعراضهم وأموالهم وأراضيهم، ولكنهم بحاجة للسيف حتى يحموا به رأس مالهم، ويلقنوا به الأعداء درسا، ويداووا به المرضى الذين يؤلمهم انتشار الإسلام.
وصدق عنترة بن شداد حيث قال:

 

حسامي كان في الهيجا طبيبا *** يداوي رأس من يشكو الصداعا

قال رسولنا وقائدنا (صلى الله عليه وسلم) في تفسير الآية،  “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة” قال ثلاث مرات: “ألا إن القوة الرمي” وليس المقصود من الرمي هنا السهم فحسب، إنما هو يشمل الرصاصات والقنابل والمدافع والهاونات والصواريخ والدبابات والمقاتلات وكل ما اكتشف الإنسان، وكل ما وصل إليه التكنولوجيا والفكر الإنساني الحديث من تقنية. ومن المسلّم به أن تفسير “القوة” يختلف باختلاف الأحوال والظروف. إن هذا الحديث يدعو كل مسلم أن يتقن فن الرماية والإصابة لحسم الحروب التي تطرق أبوابنا، وتحاول اقتحام كل بيت، الحروب التي تلببت برداء المسلمين منذ أمد غير قليل.
قد كرّرها الرسول (صلوات الله عليه وسلامه) ثلاثا: “ألا إن القوة الرمي” “ألا إن القوة الرمي” “ألا إن القوة الرمي” وهذا التكرار إن دل على شيئ فإنما يدل على أهمية الرمي،وعلى أن الأعداء لا يفهمون غير منطق القوة، لا يدركون سوى لغة السلاح، يدل على أن الطريق الوحيد لاسترداد الأراضي المحتلة، الطريق الوحيد للحصول على الأمن والإستقرار هو السلاح، بعد الإيمان بالله والتوكل عليه، فإن الأراضي المحتلة لن تحرر بالمحادثات، وإنما بحد المشرفيات.

ما أجمل ما قال المتنبي:

 

ومن طلب الفتح الجليل فإنما *** مفاتيحه البيض الخفاف الصوارم

إن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان يشجع الأمة على اتخاذ القوة ، كان يدرّب أصحابه على فنون القتال والحرب، كان يتواجد معهم شخصيا في التدريبات العسكرية والمناورات، كان يدخل معهم المعارك بنفسه، فإنه كان يدري جيدا عن طريق الوحي أن ليس هناك الإستقرار بدون الإرعاب، ولو شئت لقلت بدون الإرهاب، إرهاب الأعداء المجرمين الغاشمين.
بناء على الظروف الراهنة والأزمات الخانقة فيجب على الأمة أن تجعل علمها عن السلاح أعمق، ومعرفتها به أمتن، وهيامها له أوثق، وصلتها به أقوى، يجب على كل مسلم أن يتدرب على السلاح، ويتقن الرماية عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا، يجب أن يتسلح المسلم بالقوة، بأنواعها المختلفة، بقوة الإيمان التي يصل بها الإنسان إلى البسالة والتضحية والفداء، ويتسلح بقوة الجسد التي بها يستطيع أن يقهر العدو المتربص، وينتصر على المحتل الغاشم، ويتسلح بقوة الاقتصاد التي تعضد القوة الجسدية، ويتسلح بوعي إيماني قوي وبترسانة فكرية يعرف جيدا ما يخطَّط له لتغييبه عن قضايا الأمة، وخاصة عن ساحة القتال.

مقالات ذات صله