السبت , 24-08-2019

جلال الدين حقاني..العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (الحلقة 10)

جلال الدين حقاني..العالم الفقيه والمجاهد المجدّد (الحلقة 10)

أ. مصطفى حامد (أبو الوليد المصري)

 

– مولوي حقاني يرسلنا لاستطلاع أماكن لإطلاق الصواريخ على المطار.

– دليلنا “كومندان المظلات”، كان أكثر الشخصيات غموضًا واستهتارًا .. وإنسانية.

 – أول ضحايانا كانت طائرة “إليوشن” عملاقة. وبنهاية الحرب كانت خوست أكبر مقبرة للطائرات في أفغانستان.

– بدلا من إجازة العيد حقاني يرسلنا في داورية للتصدي لقوة عسكرية زاحفة.

 

لم يعد هناك مجال في التراجع ونظرت إلى وجه إخواني، فرأيت فيهما الاهتمام وعدم التردد.

فمضيت قدما وطلبت من الشيخ حقاني أن يرسل معنا دورية استطلاع حتى نجد المكان المناسب للعمل ضد المطار.

قال: تتحركون صباحًا مع “قومندان المظلات”، وهو ضابط سابق فى سلاح المظلات من قبيلتنا وهو خبير بالمنطقة، تستطلعون المكان من أطراف (ليجاه) أولا فإذا لم تجدوا مكانًا مناسبًا نرسلكم إلى منطقة (باري) للبحث هناك.

قلت له إنه من الضروري رؤية باري أيضًا فمن الأفضل أن يكون لدينا أماكن متعددة للعمل. لم تكن لدى المجاهدين خرائط للمنطقة. رغم الغنائم الكثيرة التي غنموها. وربما كان السبب أنهم لم يدركوا أهمية الخرائط فأتلفوها.  وقد شاهدت في يوم فتح خوست بعد ذلك بسنوات  كيف أنه لا يعيرون التفاتا للوثائق، التي كانت بالأطنان في المراكز الحكومية المهجورة.

لقد رفعوا كل شيء إلا الأوراق، فيما عدا حقاني الذي اهتم بتجميع وثائق (الخاد) التى وقعت بين يديه. وبدون الخرائط كان لا بد من بذل مجهود ضخم للتعرف على المنطقة، واختيار المكان أو الأمكنة المناسبة.

وقد استغرقنا خمسة عشر يومًا كاملة، حتى أطلقنا صاروخنا الأول، وكان (صاروخًا تاريخيًا) بالنسبة لمعارك خوست. وكان ضربة صحيحة في المكان المناسب.

فتحطمت طائرة (إليوشن) عملاقة كانت في حالة هبوط على مدرج المطار. منذ تلك اللحظة  بدأت خوست تتحول على يد المجاهدين إلى أكبر مقبرة للطائرات في كل أفغانستان، وخسرت الحكومة الشيوعية على أرض مطار خوست حتى نهاية الحرب حوالي سبعين طائرة نقل عسكرية حسب ما أفادنا به الجنرال طيار (عبد الجبار)  الذي تم أسره عند فتح خوست وهو يحاول الإقلاع بآخر طائرة لمست عجلاتها أرض مطار خوست في مدة الحرب.

(كان فى الطائرة الجنرال “صلح أمل” المستشار العسكرى للرئيس نجيب. فى الواقع جاء عبد الجبار  من كابل خصيصا فى مهمة انتحارية لإنقاذ الجنرال صلح أمل وإخراجه من خوست التي كانت قد تهاوت تقريبا).

وكان صاروخنا الأخير هو الذي تسبب في أسر تلك الطائرة مع الجنرال (عبدالجبار). كما كان صاروخنا الأول / وبأمر من حقاني/ هو الذي افتتح ذلك النوع من العمل العسكري ـ تدمير الطائرات الشيوعية وهي على المدرج- والفارق الزمني بين الصاروخين هو ست سنوات فقط  لا غير!!.

 

المجاهدون العرب في مدرسة حقاني:

جلست مع (عبدالرحمن) و (أبي حفص)، طوال اليوم وجزءً من الليل في نقاش حول تصوراتنا للمهمة الجديدة، وأهميتها للبرنامج العسكري للمجاهدين في المنطقة. وأثار انتباهنا كيف أن المجاهدين لم ينتبهوا لخطورة مهاجمة المطار وانشغلوا بهجمات على المواقع. وقادنا ذلك، تدريجياً، إلى تبني وجهة نظر خطيرة بالنسبة لجهادنا في أفغانستان، وهو مفهوم (الاستكمال، وليس التكرار)، بمعنى أن نبحث عن الثغرات أو النواقص في عمل المجاهدين الأفعان، ونعمل نحن العرب على استكمالها. إما منفردين  أو مع الاستعانة مع عناصر مناسبة من الأفغان. وكان عملياتنا ضد مطار خوست أفضل مثال على صحة تلك النظرة وكانت نتائجها باهرة في المرات الثلاث التي خضنا فيها غمار ذلك العمل.

سواء في المرة الاستكشافية الأولى عام 1985 أو في المرة الثانية التي كانت مكتملة وتوافرت لها عناصر الاتقان مع روعة النتائج في عام 1990، ثم المرة الأخيرة على نفس الهدف بعد ذلك بحوالي ستة أشهر أي في مارس عام1991م حين فتحت المدينة.

بشكل عام ، كان معظم العمل العربى عشوائيًا وغير مدروس . فقط من عملوا مع حقاني كان عملهم منتجًا ومفيدًا ، لأن حقاني وظفهم ضمن استراتيجية عمله التي كانت دومًا مدروسة وفعالة. وكان مشروعنا ضد المطار هو الأول لنا، وقد تمكن حقاني بموهبته الفطرية أن يوظف إمكاناتنا بالشكل الأمثل. وأفضل نتائج العرب في جهاد أفغانستان كانت للذين عملوا مع  حقاني ضمن مشروعه العسكري، كما حدث معنا، ثم حدث مع مجموعة أبو الحارث الأردني فيما يلي من سنوات. فكانوا هم الأفضل، نظرًا لثباتهم في العمل واستمراريتهم الطويلة. فلم يكونوا من (البدو الرحل) كمعظم الأفراد العرب الذين وفدوا إلى أفغانستان وتميزت حركتهم بالقلق وكثرة التنقل، مع الانفعال الحماسي وفقدان الرؤية المتزنة.

ذكرت في تقرير صحفي، نشَرَتْهُ صحيفة الاتحاد الظبيانية، رحلتنا الاستطلاعية الأولى مع وهما المصريان عبد الرحمن وأبو حفص. وكما ذكرت سابقا فكلاهما استشهدا في أفغانستان، الأول فى الغزو السوفيتي والآخر في الغزو الأمريكي. أستعين هنا بأجزاء من ذلك التقرير .

 

رحلة خطرة مع قومندان المظلات:

لم تكن فرقتنا من أبناء باكتيا، لهذا استعنا بمجاهدي المنطقة في عملية الاستطلاع. (قومندان المظلات( واحد من خبراء المنطقة كان سابقاً قومندان في سلاح المظلات. وبعد أن خرجنا معه في رحلة استطلاع أدركت أنه واحد من عجائب بلاد الأفغان. (قومندان صاحب) كما يدللونه أحياناً، في الخامسة والأربعين من العمر قوي البنية كمصارع محترف. ذو وجه مستدير وأنفٍ حاد وعينان زرقاوان تلمعان كعيني نمر. في رحلات الاستطلاع يحمل أفراد المجموعة عادة سلاحهم الفردي وكمية كبيرة من الطلقات والقنابل اليدوية فهم يقتربون كثيرًا من مواقع العدو واحتمال وجود كمائن في الطريق يثير الجميع.. ما عدا (القومندان).. فهو يعلق في كتفه بندقية سريعة الطلقات( كلاشنكوف) ويعلق في رقبته خيط حريري أسود يتدلى منه قراب خنجر أفغاني تقليدي، وسوى ذلك لا يحمل معه أي ذخائر إضافية. في الطريق أدركت أن القومندان يتمتع بذكاء وسعة حيلة يندر أن تجد لها مثيلاً. كانت المهمة هي استطلاع الجزء الغربي للمطار والمناطق المحيطة به. ولم يترك القومندان فرصة تمر بدون أن يستعرض قدراته التي هي في الحقيقة قدرات مدهشة ولكن طريقة الرجل تفقد الحليم صبره.

 

بدأت الرحلة بعد الفجر وغاص بنا القومندان في متاهات جبلية لمدة خمس ساعات من السير المنهك. والجميع صائمون ويتذرعون بالصبر. كنّا نتوقع رحلة أقصر من ذلك بكثير، فبالأمس كانت تبدو المسافات قريبة من فوق قمة الجبل في (ليجاه)، ولا ندري ماذا حدث اليوم وكيف استطالت؟؟. عند الظيهرة وصلنا إلى آخر سلسلة الجبال من طرف وادي خوست وبدت الحافة الغربية لمدرج المطار واضحة للغاية وكذلك كمائن الحراسة ومواقع الدبابات. وبعض مواقع كتائب الجيش المكلفة بحراسة المدينة. أخذ الفريق يلاحظ ويدون ويرسم خرائط (كروكية) للمواقع.

وفجأة لاحظوا عدة مصفحات تتحرك بأقصى سرعتها من جانب المطار في اتجاه موقعنا مباشرة. بدأ الثلاثى يتشاورون بسرعة في احتمالات تطور الموقف إذا ما جاءت مدرعات وحاملات جنود لمطاردتهم في المنطقة المكشوفة. اتخذوا قرارهم بالمناوشة والانسحاب إلى سلسلة الجبال القريبة.

بدأوا الحركة بحرص لأخذ مواقع أفضل للمواجهة والمناورة. نظروا حولهم فلم يجدوا (القومندان) بدأوا يصيحون عليه ولا مجيب. عبدالرحمن أفصح بسرعة عما في نفسه قائلاً:هذا الرجل لا أرتاح إليه.. لقد استدرجنا إلى كمين..سَرَى القلق في نفوس الجميع.. وحاول أبو حفص أن يهديء من مخاوف عبدالرحمن.

ولكن اختفاء الرجل في هذه اللحظة بالذات وتصرفاته الاستفزازية طوال الرحلة جعلت الجميع يعتقد في صحة ما قاله عبدالرحمن. مرت اللحظات ثقيلة واستمرت المصفحات تقترب من بعيد وقد أثارت حولها سحباً عالية من التراب. وتواردت الظنون لتزيد القلق، فإذا كان هناك كمين فلن يقتصر على تلك الوحوش الفولاذية التي تنهب الأرض في طريقها إلينا. لا بد أن هناك شيئاً آخر قد يكون على مقربة منّا في الوادي أو… ربما على التلال القريبة. بدأت الأعين تبحث في كل شيء يحيط بنا في السهل في التلال، في الجبال القريبة.

وغياب القومندان جعل الشكوك تتأكد. وفجأة انحرفت مسيرة المصفحات جهة الشمال وظلت تواصل المسير حتى اختفت داخل أجمة كثيفة من الأشجار حيث تتواجد قيادة المدرعات في (خوست). تراجعت المجموعة بهدوء حتى وصلت إلى بداية سلسلة الجبال كان الحر شديدًا وشمس الظهيرة قد طردت من أجسامهم آخر قطرة ماء. وابيضت شفاه الشباب وصار الكلام يخرج بصعوبة. في ظل أحد الأشجار الشوكية بدأ أحدهم ينظم الخرائط ويتأكد من صحة المواقع ويضع بعض علامات ورموز على الأوراق..لقد انتهت رحلة الاستكشاف لهذا اليوم وعليهم التهيؤ للمسير.. ولكن كيف؟.. والدليل قد اختفى؟.

قرروا العودة من نفس الطريق الذي قدموا منه .أبديت  شكي في نجاح هذا العمل فليس من اليسير تذكر معالم هذا الطريق الطويل الذي استغرق أكثر من خمس ساعات في متاهات جبلية يبدو أن قدما لبشر لم تطأها من قبل. ترددنا بعض الشيء ولكن لم يكن هناك حلاً آخر.

 

بدأنا المسير وسيطر على فكري وجود الماء، فنحن في حاجة شديدة إلى الماء والأودية القريبة كلها جافة ولمسيرة ساعة أو أكثر. فماذا لو ضللنا الطريق ولم نصادف الماء؟؟. بينما الصمت يلف المجموعة والأقدام تنتزع من الأرض انتزاعاً وتوقف الجميع عن الكلام تحت وطأة العطش والجوع والتوتر. جاء صوت مألوف يصيح بمرح ليس له مبرر:

ـ أين تذهبون؟.. هل تتركونني؟.

يا للمفاجأة.. إنه (قومندان صاحب).. نظرنا خلفنا فإذا به يندفع من فوق قمة قريبة كجلمود من الصخر. كتم الجميع غيظهم.

ـ أين كنت؟

ـ لقد تركتكم تراقبون وذهبت لأستريح قليلاً في ظل الأشجار. لم يعرنا اهتماماً كبيرًا وتقدم الركب وهو بادي النشاط والمرح..

ـ يبدو عليكم الإرهاق.. الاستطلاع يحتاج إلى رجال أقوياء.. مازلتم صائمون؟.تماسك الجميع

بصعوبة وأخذ أبو حفص يزمجر وكذلك عبدالرحمن فأسرعت لتدارك الموقف:

ـ نحن متعبون ونريد طريقاً مختصراً للعودة إلى المركز.

ـ هذا شيء بسيط..هناك طريق يوصلنا إلى المركز بعد ساعة واحدة.. هل تحبون المسير فيه؟ ـ ساعة واحدة؟؟

علت الدهشة وجوه الجميع، فقد سار بنا أكثر من خمسة ساعات في الصباح، فلماذا لم يسلك بنا هذا الطريق المختصر؟.أصبح التوتر بادياً على الجميع .

ضحك القومندان وأدرك ما يدور في النفوس. فسار مسرعاً الخطى..

وأخذ يغني بمرح أغاني جبلية جميلة.. لكنها لم تفلح في الترويح عنّا.

دار بنا على سلسلة الجبال لمسافة كيلومترات قليلة ثم نزل فجأة إلى الوادي عبر أحد الشعاب الضيقة الوعرة.. نظرنا إلى جهة اليمين على بعد ثلاثة كيلومترات في الوادي هناك مركز قوي للعدو مهمته مراقبة المنطقة. لفت أبو حفص نظر(قومندان صاحب) إلى هذا الأمر، فلم يهتم كثيراً..عبدالرحمن تقدم بسرعة حتى صار خلف )القومندان( ثم بدأ يتكلم بالعربية التي لا يفهمها القومندان:

ـ إنه سيسلمنا هذه المرة بيده إلى كمين.

كان يبدو كلام عبدالرحمن صحيحاً. فقد أصبحنا في الوادي مرة أخرى وفي منطقة يسيطر عليها الجيش. مد الشباب أيديهم بهدوء وحرك كل منهم جزء الأمان في بندقيته لتصبح جاهزة للإطلاق.شعر القومندان بتوتر الشباب وبقعقعة السلاح من خلفه ظل يسير بلا مبالاة ويصدح صوته بأغنيات بدت لنا أشد نكرا من انفجارات الصواريخ. ثم انحرف يساراً في وادي كثيف الأشجار تفجرت منه ينابيع غزيرة. قفزنا إلى الماء لإطفاء حرارة أجسامنا التي كادت أن تشتعل من الحرارة وفقدان المياه. أوقفنا القومندان وأشار إلى نبع قريب يخرج ماءه من باطن الجبل وقال هذا أفضل.شربنا من الماء حتى أنهكنا الشرب..وارتمينا على الحشائش بلا حراك وبلا حديث.أشار القومندان بإصبعه على امتداد الوادي جهة الجنوب قائلاً:

على بعد ثلاثة كيلومترات ينتهي الوادي وتبدأ حدود المركز..

يمكنكم إكمال المسير إلى هناك فنحن الآن تقريبا في المعسكر.

نظرنا إلى حيث أشار.. لقد كان قوله صادقاً. فقد بدت بعض القمم التى نألفها… شعرنا بارتياح شديد. بدأ (القومندان( يمارس هوايته في الصيد ويطلق النار على بعض الطيور والأرانب البرية التي تزخر بها المنطقة.

قال عبد الرحمن منهكا وهو ملقي على الحشائش بجانب جدول الماء:

ـ وددت لو تُكْسَر رقبته.

فرد عليه (أبو حفص):

ـ كان من الأفضل أن يقذفوه من طائرة ومعه مظلة لا تنفتح. ساد الصمت بيننا وبدأت أسمع غطيط فريق الاستطلاع . نظرت إليهم وقد غلبهم النوم واحتضن كل منهم بندقيته فوق صدره تماما.. اختفى القومندان بين شجيرات الجبل، ومن حين إلى آخر نسمع طلقاته على الطيور والحيوانات البرية…

وأخذت أفكر في هذا الرجل.. من هو؟ وأي صنف من البشر يكون… لم أهتد إلى إجابة ما. ولكن الشيء المؤكد أن ذاكرتي لن يمحى منها شخصية قومندان المظلات، الأكثر تعقيدًا وتهورًا وإنسانية.

{ ملاحظة : لم أسأل أي أحد بعد ذلك عن مصير كومندان المظلات خشية أن تصدمنى الإجابة المعتادة: (لقد استشهد).كان ذلك سيحزننى كثيرًا، فمازلت أعتقد أنه شخصية نادرة وغير تقليدية. كان رجلا حقيقيا، صلبا وساخرًا من الحياة. مندجا فى الطبيعة من حوله، ولا يبالي إن جاء الموت إليه أو ذهب هو إليه. كنت أتمنى أن أراه كثيرًا ونعمل سويا فى الجبهات، وأكتب عنه بالتفصيل. ولكن للأسف لم تكن الأحداث في معظم الأحوال تترك لنا مجالا للاختيار} .

 

البيان الأخير:

نتائج عمليات مجموعتنا العاملة ضد مطار خوست حتى يوم 28 رمضان 1405هـ. بعد حوالى أسبوعين من العمليات كانت كالتالي :

1 – تدمير طائرة هيلوكبتر ناقلة للجنود على مدرج المطار.

2 ـ تدمير طائرة نقل كبيرة وإحراقها على المدرج وإصابة 47 من ركابها بين قتيل وجريح  جميعهم من العسكريين (الهندوس). وقد هاجرت عائلاتهم إلى كابول. وعاد بعضهم إلى الهند.

3 – تدمير مبنى عسكري قرب المطار ومصرع أربعة من الضباط.

4 – إصابة عدد من الطائرات إصابات غير معلومة.

5 – إصابة عدد من العسكريين العاملين في الدفاع عن المطار وإدارة المطار بإصابات وخسائر في الأرواح غير معلومة.

6 – إغلاق المطار في وجه الملاحة الجوية لمدة أسبوع.

 

– هذا ولم تقع أي خسائر في صفوف مجموعتنا ، أو فى صفوف المجاهدين المساندين لنا وهو ما تكرر فى عملياتنا الأكبر والأعقد ضد مطارى خوست فى عامى 1990 ، 1991 تحت قيادة جلال الدين حقانى فى حملاته المظفرة لفتح المدينة، ضد إرادة العالم وضد إرادة أحزاب بيشاور “الجهادية”!!.

 

 

في رحلة إستطلاعنا الأولى لم نكتشف سوى شخصية قومندان المظلات العجيبة، أما ما يتعلق بعمليتنا على المطار فلم نعثر على المكان المناسب بسبب بعد المسافة. فأرْسَلَنا مولوى حقاني إلى منطقة (باري) لقربها من المطار. ولكنه كان يخشى علينا من خطوط الدفاع الجبلية للشيوعيين وقدرتها على إصابتنا بنيرانها أثناء العمل.

خاصة من قوة العدو على جبل (تورغار) الذي يعتبر مركز دفاعات العدو الجبلية وأكثرها ارتفاعًا وتحصينًا. لهذا ارتبط جبل تورغار بسلامة المطار وارتبط الإثنان تورغار والمطار بسلامة المدينة.

لقد كان حقاني يعلم ذلك، وهي حقيقة لمسناها لأول وهلة منذ عملنا في ذلك المشروع. وهكذا كان التسلسل الذي اتخذته الأحداث عند فتح المدينة كان استيلاء المجاهدين على جبل تورغار مقدمة لا بد منها لإغلاق مطار المدينة بشكل نهائي (بواسطة عملياتنا العربية)، ثم فتح المدينة فى حملة عسكرية كبرى قادها حقاني بنفسه. وسنرى تلك الموهبة العسكرية والشجاعة الأسطورية لذلك الرجل، والتي تجلت في حملته النهائية لفتح مدينة خوست .

التحقنا في (باري) مع مجاهدين من قبائل وزيرستان قدموا من الجانب الباكستاني من الحدود، يرأسهم عالم اسمه (عجب نور)، والده أيضاً عالم يدعى (عجب خان) من المشاهيرالذين قاتلوا الحملات البريطانية على بلاد الأفغان. عجب نور كان يمثل قيادة روحية لهذه الجماعة بل للقبيلة كلها. وهو يحضر إلى الجبهة من وقت إلى آخر ولكنه يترك الأمورالعسكرية لإثنين من قواده هما (سميرجول) ومولوى عبدالحليم. سميرجول وهو أول من تعرفنا عليه من المجموعة وصارت مجموعتنا تعمل تحت إمرته، و كان لنا استقلالية في العمل ولكن مع ارتباط  إداري مع (سميرجول)، حتى أن غنائم المجموعة كان لنا فيها نصيب. ولكنا رفضنا استلام شيء منها، تعففاً وحفاظاً على الأجر كاملاً حسب فهمنا لبعض الأحاديث النبوية.

وفي شهر رمضان غنمت المجموعة عدة بنادق كلاشنكوف، من جنود فروا من الخدمة وسلموا أنفسهم، وكان نصيب كل مجاهد 400 روبية باكستانية.

مولوي عبد الحليم،  كان الأكثر طيبة والأكثر صلابة وانضباطاً وظلت علاقتنا به قائمة حيث بقينا نزوره من وقت إلى آخر في مدينة خوست بعد فتحها، التي يرأس معهدها الديني المسمى (منبع الجهاد).

وقد بترت ساقه أثناء محاولة غير ناجحة للاستيلاء على جبل تورغار، حين انفجر لغم فوق الجبل أودى بحياة شاب عربي . فحاول مولوي عبدالرحيم أن يسحبه فانفجر فيه لغم آخر بتر ساقه.

 

الثلاثاء 30 رمضان 1405هـ ـ 19 يونيه1985م:

في السابعة صباحاً سمعنا طائرات نقل كبيرة  تهبط في المطار.. لقد غيرالعدو أسلوبه وأصبح ينزل في مواعيد لم تكن معتادة قبلاً.. بالأمس نزل قرب العصر.. واليوم في السابعة صباحاً..

ولما لم يجدنا هناك. حيث لم يحدث إطلاق على طائراته الكبيرة التي أصبح يدرك جيداً أنها المستهدفة من ضرباتنا.. وليس أي نوع آخر من الطائرات حتى الهيلوكبتر الرهيبة من طراز “مي-24” كنا لا نطلق عليها صواريخنا الثمينة للغاية. بدأ نزول الطائرات الكبيرة يتتابع بكثرة غيرعادية حتى وصلت في تقديري إلى عشرين  خلال هذا اليوم.. اعتبرت ما حدث  هو عملية (اقتحام للمطار) عندما شعر العدو بعدم وجودنا.

اليوم أراد أن ينهي أكبر قدر ممكن من الرحلات الجوية. وظهر  أن العدو يجهزلعملية كبيرة وأن ما يصل إلى المطار هو (مستلزمات العملية) من رجال وعتاد. عملية ( اقتحام المطار) من جانب العدو لهذا اليوم شعرت أنها وسام تقدير لعملنا في أيام رمضان الماضية.

في الرابعة عصراً  بدأنا في إعداد أدوات كهربائية لعملنا المقبل.. قررنا زيادة عدد الصواريخ المستخدمة.. سواء بالتوقيت أو بالمصايد. في الليل علمنا أن غداً عيد الفطر.. وأن مولوى حقاني موجود في ليجاه.

وأن عدداً كبيراً من أفراد مركز “سمير جول” سوف يغادرون صباحاً إلى قراهم.. إنها دعوة لطيفة لنا كي نأخذ إجازة العيد..سألناهم هل ذلك هو المطلوب حقاً؟ ضحك الرجل وقال: نعم.. سنرجع لإستئناف البرنامج معكم بعد العيد إن شاء الله. وافقنا معه على مشروع الإجازة وطلبنا منه أن يرافقنا غداً إلى (ليجاه) لرؤية مولوى حقاني. فوافق على أن يرسل معنا (مجيد) بالسيارة، أما هو فسوف يقابل حقاني في وقت آخر.

 

أول شوال 1405 هـ ــ 20 يونيه 1985:

خرجنا من أفغانستان من منطقة غلام خان الحدودية، ثم دخلناها مرة أخرى من نقطة (صدقي) على بعد حوالي عشرة كيلومترات ثم واصلنا التحرك مع  (مجيد) في سيارته حتى وصلنا منطقة (ليجاه). في الطريق كنت أفكر فيما سأكتبه للجريدة من موضوعات، والشخصيات العجيبة التي سأتكلم عنها.

سيكون منهم ولا شك( درويش) الذي أسميه (المقدوني)نظراً لملامحه الإغريقية- ثم ذلك البدوي (كوجامير) ,الذي يجتذب القذائف, ثم قومندان المظلات.

سأكتب بالطبع عن حملة سوفييتية محتملة على باكتيا وهذا ما جئت حتى أبحث احتمالاته مع مولوي جلال الدين. كان يغمرني شعور كاذب بالراحة الناتجة من شعوري أنني في إجازة !!.

هديرالطائرات الآتي من بعيد كأنه لا يعنيني، والإنفجارات القادمة من أرجاء الجبال كأنها تحدث في عالم آخر.. إنني الآن في إجازة العيد..ترجلنا من السيارة فى ليجاه وأنا أستنشق الهواء النقي بعمق.

يبدو كأن لا أحد هنا؟.. هكذا تساءلنا بتعجب ودهشة لم نرى أحداً رغم أننا وسط مراكز المجاهدين. زالت الدهشة بأن ظهر واحدا منهم كي يخبرنا بإنزعاج بأن العدو يحتشد عند مدخل الوادي لاقتحام ليجاه. وأن حقاني تقدم مع رجاله إلى الأمام. عادت أجواء الحرب التي حاولت أن أتناساها.. طلبنا من مجيد أن يتقدم بنا صوب مدخل الوادي حتى نلحق بمولوى جلال الدين.

قرب مدخل الوادي وجدناه في حوالي عشرين من رجاله.. نزلنا من السيارة وأمر حقانى مجيد بالعودة بسيارته لأن المكان خطر. بقينا معه وسألناه عن رأيه عمليات المطار، فقال بأن نتائجها كانت جيدة جدا.

فقد وصله بالأمس تقرير من داخل المدينة عن الخسائرالحادثة من جراء قصفنا للمطار. “وهي الخسائر التي دونتها في نهاية تقريررحلتنا مع قومندان المظلات”. وقال أن هناك إصابات كثيرة غيرمحددة سواء في الطائرات أو الأفراد.. ولكن الهندوس أصيبوا بنكسه ضخمة في الطائرة الأولى التي أصيبت. قال أنه يتوقع حملة روسية كبيرة على خوست.

وأن العدو قد يهاجم اليوم.. ثم سألنا: هل أنتم صائمون؟، قلنا: له بل هو اليوم الأول للعيد. فقال أنهم ما زالوا صائمين. كان هادئ  الأعصاب منظم التفكير، بعد تلك الجلسة التي استمرت حوالي نصف الساعة، طلب منا المشاركة في صد الهجوم على ليجاه لأن معظم المجاهدين قد غادروا إلى قراهم في أواخر رمضان. شعرت بغصة في حلقي من جراء الانتقال الفجائي من الحالة النفسية لإجازة العيد إلى حالة مواجهة انتحارية مع القوات الشيوعية. ولكن في دقائق زالت أوهام الإجازة، وتعاملنا مع واقع المعركة. تحركنا مع دورية من المجاهدين تحركت شرقاً بين الجبال لننزل في وادي خوست. خلال الطريق الذي وضعنا فيه قومندان المظلات منذ شهر تقريباً.

كانت الأنباء تقول أن تحشداً للعدو يقف قريباً من تلك النقطة وقد يتقدم من خلال ذلك الطريق. كنت منذ عام83 في الأورجون  قد عزمت على ألاّ أشارك في مثل تلك الدوريات .

ولكنها إرادة الله.. وسَرَّى عن نفسي وجود إخواني معي ، علَّنا نستطيع أن نتبادل التعليقات والضحك أحياناً في موضع شرّ البليّة. كنا حوالي العشرين شخصاً.. نحن الثلاثة على الأقل لا نعلم من هو قائد المجموعة، وما هي المهمة المطلوبة. أما طريقة المسير، والمفروض أننا نسير في منطقة خطيرة يحتمل تواجد العدو بها.  ومع ذلك فإن مسير مجموعتنا لا يختلف عن المسير في سوق ميرانشاة.وصلنا إلى أقصى نقطة بسلام واحتمينا بهضبة صغيرة.. ثلاثة من المجموعة معهم منظار مقرب، من النوع الرخيص يؤذي العين أكثر مما يقرب الأشياء.

ذهبوا بعيداً بحوالى مئتي متر فوق هضبة أخرى لمراقبة تحركات العدو..وكانوا يبلغونا بنشرة الأنباء بواسطة الصوت المرتفع!!، فكنا نستمع نحن والعدو في نفس اللحظة . جلست مع زميلاي تحت الجرف نضرب كفاً بكف.. فجأة وجدنا إلى جوارنا زوجاً من العناكب السامة الضخمة.. انشغلنا بالإشتباك معهم حتى قضينا عليهم قضاءً مبرماً. بعد ساعة أو أكثرصاحت مجموعة الاستطلاع بفرح. لقد رحل العدو إلى المدينة.. عدنا أدراجنا بنفس الطريقة.. التقينا مع حقاني مرة أخرى.. أخبرنا أيضاً أن القوة كلها قدعادت إلى قواعدها بعدما شعرت أن هناك مجاهدون كثيرون في خط الدفاع الأول. نحن أيضاً انسحبنا أدراجنا.. وتواعدنا مع حقاني أن نعود بعد إجازة العيد كي نستأنف العمل ضد المطار. لم نجد سيارات تأخذنا إلى بشاور فاضطررنا للمبيت في ميرانشاه. تقابلنا مع الشخ (فتح الله حقاني) نائب جلال الدين..توقعت أن أجده غاضباً نتيجة المعاملة السيئة التي عاملت بها نائبه عند زيارته لنا.. لكنه لم يتطرق إلى ذلك، بل أثنى على عملنا.. كان مرحاً دائم الابتسام.. سألته عن حال عينه التى أصيبت أثناء إعداد طريق (ليجاه).. قال إنها بخير ولكن تحتاج إلى عملية جراحية، وأنه قد يسافر إلى السعودية في موسم الحج ثم يجري عملية جراحية هناك.قال إنه يرى بها قليلاً جداً ولكنها لا تؤلمه.

في الصباح أمكننا العثور على سيارة تأخذنا إلى بشاور. في أيام الأعياد يكون الانتقال بين مدن باكستان صعباً للغاية. فأكثر السائقين يفضلون قضاء العيد مع أسرهم في القرى.

عبدالرحمن وأبوحفص بقيا في بشاورللبحث خلف أجهزة (الرومت كنترول) وأجهزة الاتصال اللا سلكي.

بينما تابعت سفري إلى إسلام آباد كى أقضي مع الأسرة أول أعيادنا في باكستان.. ومن حسن الحظ أن أول يوم لوصولي كان هو أول يوم للعيد في باكستان الذي يتأخر عادة من يومين إلى أربعة أيام عن أعياد باقى أمة المسلمين.

مقالات ذات صله