السبت , 24-08-2019

كرة القدم مخدر الشعوب المعتمد من المستبد!

كرة القدم مخدر الشعوب المعتمد من المستبد!

بقلم/ زيني محمد لامي

بدايةً كرة القدم رياضة كغيرها من الرياضات، كما أنها تتموضع ضمن الكماليات الترفيهية التي عادة ماتظهر وتبزغ للساحة الإنسانية بعد تجسد الأساسيات والضروريات وتمركزها واقعاً، كما أن المتعارف عليه أن كرة القدم منبتها أوروبي، وأول ما ظهرت ظهرت بالقارة الأوروبية على يد: الإنجليز أصحاب السبق الكروي المتفنن مذ ظهورها إلى يومنا هذا، فأنت عندما تشاهد مباراة في أوروبا سيتجلى لك حجم الفوارق بيننا وبين الآخر، بدءً من بنية الملاعب الشكلية إلى حضارية الاحتشاد والتجمهر والتجمع للمناصرين إلى طريقة اللعب الإبداعية التي مهما حاولت الأفرقة ذات البلدان المتخلفة لن تستطيع، ويكفي أن كأس العالم منذ بدأت فكرته لم تحرزه أي دولة ذات إنتماء تخلفي إلى يومنا هذا.

من النقاطِ المحوريّةِ أن كرة القدم تابعة كغيرها من التوابع فأوروبا عندما قامت حضارتها النوعية لم تقم بالأقدام الإحترافية في الملاعب؛ إنما قامت بالعقول الإحترافية والعبقرية في ميادين العلم والمعرفة، قامت بالأفكار وروح الأفكار، والعقول، وبالسواعد الحيوية النشطة، وبعد أن استقرت الحضارة زمنياً ومكانياً بدأت التوابع الكمالية تتوالى واحدة تلو الأخرى ككرة القدم وغيرها من الكماليات الترفيهية. لكن قومي يبدو أن لديهم رؤية معاكسة فحبهم الطاغي للكماليات مريب وعجيب، جعلهم يقلبون الأمور رأساً على عقب، فجعلوا الكماليات المرفِّهات في أعلى القمة ومكّنوها من مكانة ليست لها، بينما الأساسيات الضروريات في أسفل سافلٍ، لو نظرنا لهذا الخلط من ناحيتين لوجدنا أنه أمر عادي من ناحية، وأمر مفتعل مقصود من ناحية أخرى.

أما بالنسبة إلى أنه أمر عادي فمن البديهات المعروفة أن باحات التخلف لا تعرف سوى أجواء الارتباك والتخبط، وانقلاب المعايير، والمقاييس، والموازين، والقيم، وتشتت الرؤى والأذهان، وعدم معرفة الصح من الغلط، والنافع من الضار، والأول من الآخر، والجودة من الرداءة، النقطة من الفاصلة؛ لذلك هي تقبع في براثن التخلف وساعة أن تميِّز بين هذه الأشياء هي ساعة نهضتها وعتقها من التخلف المدقع. أما بالنسبة لقضية الافتعال والقصد؛ لأن دنيا التخلف لها حارس وهو كما يقول المثل الشعبي: “حاميها حراميها” وهو ما يعرف سياسيًا بالمستبد، واقتصادياً بالفاسد، واجتماعيا بالظالم الطاغي.

المستبدُ الفاسدُ الذي يدعي أنه حامي الحمى وراعي الربى له مؤسسات قائمة تترصد الصغائر والكبائر، فاعلة لخدمته وفي كل المجالات تتحين وتترقب الفرص وترصد بمنظار صافٍ لا يُفلت تبحث عما يلفت الأنظار ويشغل الألباب، وتلهى وتشرد به العامة والخاصة، ولم يكن لها غير الأكثر فاعلية “كرة القدم” من حيث التخدير المزدوج؛ أي تخدير الشيبة والشباب، فكُرة القدم ما صدقت وجدتها “مؤسسة المستبد” فقد حملت عنها هذه الرياضة الكثير وقدمت لها الجليل، وأهم ما قدمت لها أن تفَّهت شباب الأمة الذي هو أساس نهضة أي مجتمع وسر تقدمه، لكن هل تعنيها من الأساس مفردة النهضة ومشتقاتها؟ كلا واللهِّ.

المستبد كائن باحث عمّا يملأ جيبه وبطنه، وذلك لن يحدث إلى في بيئة أفرادها لا يعنيهم ما بها من خيرات وبركات وكنوز، وكل همّها القليل، يكفيها أن تصنع لها كوخاً لتُألِّهك، ولكن ذلك لن يكون إلا بالحيلة، والتخطيط لجعل أفراد بيئة المستبد تفهة لا تعنيهم المعالي ولا تجوب بخواطرهم العزائم والفضائل لذلك عمل المستبد ومؤسساته من أجل ذلك ولم يجد جندياً مخلصا يقوم بدوره وزيادة ككرة القدم؛ لذلك كانت كرة القدم من أهم الوسائل المعتمدة في تغييب وتخدير الشباب من الجنسين، وغير الشباب من الجنسين.

لا يوجد ما يُفضّل وما يخدّم المستبد الفاسد كمخدّر كرة القدم. حيلته إلهاء واشتغال العامة والخاصة عنه، وانصرافها لما يَزيدها نوماً وكسلاً وتفاهةً، ولا أظنّ أن هناك أكثر ما يسدّي إليه في ذلك سبيلا غير أفيون الشباب (كرة القدم)، كما أنّه لا يبذلُ ويُسرف عليها لسوادِ مقلِّ الشعوب. هل تظن تخصيص الطائرات المدنية بتخفيضٍ والعسكرية بدون مقابل لوصول الجماهير لأماكن المباراة من دولة لأخرى، أو من مدينة لمدينة لجمال أعين الجماهير؟ أم لحب إدخال السرور والغبطة؟ أم لأهمية كرة القدم في تقدّم المجتمع؟ لا يا صديقي؛ إنما هي حيلة: الإلهاء والتتفيه إن صحت المفردة حتى يحصل مجتمع به أرقام لا أفراد فاعلة حيّة تسكبُ الدموع من أجل نهضتها وحضارتها، كما أنه لا يُطلق عليها أبواقه المأجورة لتلمِّعها وتجمّلها؛ حتى تنزل بمكان الغرب نفسه الذي فكر بها لم تصل يوماً عنده، لم يفعل كل هذا هكذا، أو تكرماً أو خدمةً لمجتمعه؛ إنما هي الحيلة والمكر، إيجاد ما يشغل العامة والخاصة، وقد وجد وللأسف الشديد ما يصبو إليه.

أمة تنزف وغَيدانها وشيبتها سَكبتْ دموعها مزجاً لغير ماله وبه نزفت. أيها الطاعنُ قبل المقبل على الحياة لا تحزن ولا تفكر كثيراً، فالملاعب وساحاتها ستبنى لك، والشاشات الرياضية ستفتح لك بتسهيلٍ وتوفيرٍ أنت مطالبٌ بشرطٍ واحدٍ أن تستمتع وتلهو حتى الثمالة لاشيء غير ذلك فبهذه الحالة هو (المستبد) عنك ومنك راضٍ منتفع، لكن ضعني أذكرك وأنت بسنك وجنسك؛ أنك إنسان مسلم مخاطب بالله أكبرُ ولسانك لذكرها دائمٌ وفعلك عنها غائبٌ؛ لذلك كن كبيراً في كل شيء في أعمالك وأهدافك وغاياتك وحتى كمالياتك كن كبيراً بأن لا تجعل من نفسك جيب ينتفخ به فاسد ويطغى بها طاغٍ اعرف قدرك ومكانتك، وإياك ومواطن التفاهة ما خُلقت لتلهو، وما حالتلك حالة لهوٍّ إنما أنت في الذيل والمنوط بك فقه الأولويات ومعرفة الواجبات الرافعات، وشحذ الهمّم والطاقات؛ لفتح أرض الأساسيات والضروريات قبل الكماليات، فالكماليات قصتها المرعبة معنا ليست بالبعيدة عنا فالأندلس ذاكرة ملازمة لنا ما بقينا.

المصدر: الجزيرة.

مقالات ذات صله